منذ أربعين يومًا فقط، كان الحديث عن مضيق هرمز يندرج تحت بند «المسلمات»الجيوسياسية؛ ممر مائى حيوي، حركة تجارة منتظمة، واستقرار نسبى يحكمه توازن الرعب. أما اليوم، وفى مفارقة صارخة تجلت ملامحها فى أروقة «إسلام آباد»، فقد تحول المضيق من ممر للملاحة إلى ساحة للمساومة وفرض الرسوم، وورقة ضغط تلوح بها إيران فى وجه الولايات المتحدة.
إن ما يحدث الآن ليس مجرد توتر عابر، بل هو إعادة تعريف لقواعد اللعبة الدولية. فالولايات المتحدة، التى تسعى لفرض سيطرتها (الحرة) على هرمز، لا تستهدف طهران وحدها، بل تضع عينها على «عنق زجاجة»الطاقة المتجهة إلى خصمها الاستراتيجى الأول، الصين.
نحن أمام مشهد معقد، حيث يتحول الحصار البحرى من أداة ضغط سياسى إلى «عمل حربي»صريح، يضع العالم بأسره على حافة الهاوية.
تكمن الخطورة فى أن إغلاق هرمز لا يوقف الملاحة فحسب، بل ينقل الأزمة من صراع إقليمى إلى تهديد وجودى للاقتصاد العالمي. إن أى احتكاك محدود، سواء كان تفتيش سفينة أو اعتراض ناقلة، لم يعد مجرد حادث حدودي، بل شرارة كفيلة بإشعال مواجهة مفتوحة. ومع التلويح بوجود ألغام بحرية، تجد واشنطن نفسها مضطرة للتصعيد لتأمين الملاحة، مما يوسع دائرة الاشتباك لتشمل أطرافًا دولية لم تكن ترغب فى دخول الصراع.
الصدمة الحقيقية لن تتوقف عند حدود أسواق النفط، بل ستتحول إلى موجة تضخم عالمية كاسحة تعيد تشكيل أولويات الحكومات من بكين إلى نيودلهي. وهنا تبرز المفارقة؛ فالحصار الذى كان يهدف لخنق إيران، منحها فى الواقع أوراق ضغط إضافية، حيث أصبحت طهران هى من يتحكم فى «إيقاع الأزمة» ويهدد إمدادات الطاقة العالمية.
وعلى الجانب الآخر، يجد حلفاء واشنطن أنفسهم فى مأزق تاريخي؛ فالمفاضلة بين الالتزام الأمنى مع الولايات المتحدة وبين تحمل التكلفة الاقتصادية الباهظة أصبحت معادلة صفرية.
ومع تآكل شرعية التحرك الدولى الذى قد يُنظر إليه كانتهاك لحرية الملاحة، يزداد الانقسام فى المواقف الدولية، مما يضع النظام العالمى برمته فى اختبار هو الأصعب منذ عقود.
إن أخطر ما فى قرار حصار هرمز هو «ضيق مساحة التراجع». فكل خطوة تصعيدية تتخذ اليوم تقلص فرص الحلول الدبلوماسية غدًا. لقد دخلت الأزمة فى دوامة يصعب كسرها، حيث أصبح «عنق الزجاجة»يضيق ليس فقط على تدفقات النفط، بل على أنفاس العالم الذى يراقب بقلق: هل ننجح فى نزع فتيل الانفجار، أم أننا اخترنا السقوط الجماعى فى الهاوية؟









