تخيلوا المشهد جيدًا… طائرة ضخمة تحلّق فى السماء، وعلى متنها مئات الركاب من أعمار مختلفة وبلدان مختلفة، لكل منهم قصة وحلم وبيت ينتظره على الأرض. فجأة يعلو الصراخ داخل المقصورة، يتبدل الهدوء إلى ارتباك، ويكتشف الركاب أن الطائرة قد اختُطفت. لا أحد يعرف إلى أين تتجه، ولا أحد يعرف ما الذى يريده الخاطفون تحديدًا.
>>>
هل يريدون تفجير الطائرة؟
أم يريدون فدية؟
أم يسعون إلى تحقيق مكاسب سياسية؟
الركاب فى تلك اللحظة لا يملكون رفاهية التحليل ولا ترف التوقع، هم فقط يعيشون حالة مركبة من الخوف والترقب. بعضهم يحدّق فى الأرض من النافذة كأنه يودع الحياة، وبعضهم يتمسك بأى بارقة أمل، وآخرون يتساءلون فى صمت: هل سننجو أم أن هذه الرحلة ستكون الأخيرة؟
>>>
هذه الصورة ليست مجرد خيال درامى أو مشهد سينمائي، بل هى أقرب ما تكون إلى الحالة التى يعيشها الشرق الأوسط فى هذه اللحظة التاريخية. نحن جميعًا تقريبًا كركاب تلك الطائرة المخطوفة؛ نتحرك داخل فضاء مليء بالاضطراب، نسمع أصوات الانفجارات السياسية والعسكرية من حولنا، ونرى دخان الأزمات يتصاعد من أكثر من جهة، لكننا لا نملك إجابة واضحة عن السؤال الأكبر: إلى أين تتجه هذه الطائرة؟
>>>
الشرق الأوسط اليوم يعيش لحظة سيولة غير مسبوقة فى معادلات الأمن القومي. خرائط النفوذ تتغير، وموازين القوى يعاد تشكيلها، والتحالفات القديمة تتصدع بينما تولد تحالفات جديدة على وقع المصالح لا الشعارات. فى الوقت ذاته تتشابك الملفات السياسية مع الاقتصادية والأمنية بصورة معقدة تجعل من الصعب قراءة المشهد بوضوح.
>>>
هناك قوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها، وقوى دولية تحاول إعادة ترتيب أوراق المنطقة وفق مصالحها الإستراتيجية، وبين هذا وذاك تجد دول وشعوب المنطقة نفسها داخل معادلة شديدة الحساسية.
>>>
وكما فى الطائرة المخطوفة، فإن الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى وجود الخاطفين، بل فى غموض النوايا. فحين تختلط الأهداف وتتشابك الحسابات، يصبح من الصعب التمييز بين من يسعى إلى الاستقرار ومن يستثمر فى الفوضي، بين من يريد إطفاء الحريق ومن يسكب المزيد من الوقود على النيران.
>>>
ومع ذلك، فإن التاريخ يخبرنا بأن الطائرات المخطوفة لا تبقى فى السماء إلى الأبد. فى النهاية لا بد من لحظة هبوط، إما هبوط اضطرارى بعد خسائر فادحة، أو هبوط آمن نتيجة تفاهمات وتسويات.
>>>
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يستطيع الشرق الأوسط أن يصل إلى معادلة توازن جديدة تحفظ الحد الأدنى من الأمن والاستقرار؟
>>>
الطريق إلى ذلك ليس سهلًا، لكنه يبدأ بإدراك حقيقة أساسية: أن استمرار الفوضى ليس قدرًا محتومًا، وأن بناء منظومة أمن إقليمى جديدة لم يعد ترفًا سياسيًا بل ضرورة وجودية.
إن المنطقة اليوم بحاجة إلى عقلانية سياسية تتجاوز حسابات اللحظة، وإلى إرادة جماعية تدرك أن الطائرة إذا احترقت فلن ينجو منها أحد.
>>>
فالخاطفون قد يظنون أنهم قادرون على التحكم فى مسار الرحلة، لكن الحقيقة التى يعلمها الجميع هى أن سقوط الطائرة يعنى سقوط الجميع بلا استثناء.









