نتفوق على ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا فى الحصول على الدرجة العلمية
فكرت الحكومة أن تستعين بحاملى الماجستير والدكتوراه فى بعض الوظائف العامة، خاصة مع مطالب دائمة من بعض السادة نواب البرلمان بضرورة أن تكون الأولوية فى التوظيف لحاملى الماجستير والدكتوراه، وكان أن عهدت الحكومة إلى وزارة التعليم العالى ومن ثم المجلس الأعلى للجامعات بإحصاء أعداد الحاصلين على الدرجات الجامعية العليا، أى ما بعد الحصول على درجة البكالوريوس والليسانس، وتشكلت لجنة من كبار الأساتذة بالجامعات، أوشكت اللجنة على الانتهاء من العمل وإعداد تقرير بذلك.
المفاجأة أن اللجنة وجدت أن جامعاتنا منحت خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر من مليون ماجستير ودكتوراه، ونسبة الماجستير أعلى باعتبار أن هناك من يكتفى به ويتوقف عنده أو يتباطأ قبل الشروع فى الحصول على الدكتوراه.
تتفاوت الأرقام بين السنوات، مثلاً فى سنة 2016 كان العدد أكثر من 120 ألف ماجستير ودكتوراه، فى العامين الاخيرين لوحظ تراجع الاعداد، ويقال أن السبب هو اتجاه بعض الجامعات إلى رفع مصاريف التسجيل لدرجتى الماجستير والدكتوراه، ربما هناك اسباب اخري، وعموما لا أميل إلى تعليق كل ظاهرة اجتماعية وسياسية فى رقبة البعد المالى والاقتصادي.
نعرف أن بعض جامعاتنا تتفاخر بزيادة اعداد درجات الماجستير والدكتوراه التى تمنحها سنوياً، وتعد ذلك دليل جدية فى البحث والاشراف العلمي، كما أن بعض السادة الاساتذة يعتزون باعداد الرسائل العلمية التى أشرفوا عليها، صديق عزيز، كان يدون فى بطاقة التعريف به أنه أشرف على أكثر من ألف رسالة جامعية، أحد السادة رؤساء الجامعات، ذكر وهو يودع منصبه أن الجامعة فى آخر عامين من عمله منحت أكثر من 14 ألف ماجستير ودكتوراه.
مليون ماجستير ودكتوراه فى عشر سنوات، متوسط مائة ألف سنوياً، رقم ضخم جداً، قياساً على المعدلات فى عدد من الدول، فى ألمانيا الرقم حوالى 28 ألف وفى بريطانيا يتجاوز قليلاً 25 ألفا وفى فرنسا أقل من 14 ألفا وفى كل من ايطاليا واسبانيا يتجاوز 10 الاف، وفى منطقتنا يصل الرقم إلى 4500 سنوياً وفى اندونيسيا 3500 وفى جنوب افريقيا الفين فقط ويرتفع إلى أكثر من 24 ألفا فى الهند، التى يتجاوز عدد سكانها المليار،تقريباً عشرة اضعاف سكان جمهورية مصر.
وهكذا نحن نتفوق على هذه البلدان جميعاً، وننافس الولايات المتحدة الامريكية التى يبلغ عدد درجات الدكتوراه التى تمنح بها سنوياً حوالى 58 ألف درجة، رغم أن عدد الجامعات بها، يتجاوز ستة اضعاف عدد الجامعات لدينا.
نعرف أن لدينا فى مصر طلب اجتماعى متزايد على التعليم العالى لأسباب كثيرة أبرزها أن المجتمع منذ أن كان د.طه حسين وزيراً للمعارف اعتبر التعليم حقا لكل انسان كالماء والهواء، وكما قيل التعليم «أسانسير اجتماعي» ينتقل صاحبه اجتماعياً واقتصادياً وثقافياً وبعد قيام ثورة يوليو 1952 تأكد هذا المعني، وصار التعليم المعترف به اجتماعياً هو التعليم الجامعى وذهب التعليم الفنى إلى الدرجة الدنيا اجتماعياً، تراجع تقديره واعتباره صار التركيز على التعليم الجامعى ثم التركيز الأكبر على من يواصل حتى الدكتوراه ولا يتوقف عند البكالوريوس.
وبعيداً عن القيمة العلمية، صارت الشهادة العليا، خاصة الدكتوراه، أو كما يطلق عليها الدال نقطة، مصدراً للوجاهة الاجتماعية لدى البعض، يتقدم بها إلى وظيفة مرموقة أو مصاهرة لم يكن يقدم عليها دون الشهادة العليا، وبالغ البعض فى ذلك، حتى أن وزير الثقافة والاعلام هو د.عبدالقادر حاتم قال ذات مرة «بلد الشهادات»ورددها النجم الكبير عادل إمام فى مشهد شهير له، ووصل الأمر أن بعض من لم يحصلوا على تلك الدرجة يضيفون إلى أنفسهم ألقاباً عديدة من بينها «الأستاذ الدكتور» دون أن تكون هناك أستاذية ولا دكتوراه، لكن ربما يكون ذلك جزءاً من فوضى الألقاب فى مصر وكأن الاسم مجرد بات عيباً فلابد من لقب يسبقه، باشمهندس، بالسين أو بالزاء، دكتور، مستشار، حاج، وهكذا.
لست مع اتهام البعض للرسائل العلمية فى السنوات الأخيرة بانها مجرد زيادة كمية، كل رسالة مرت على لجنة تحكيم ومناقشة علنية، فضلاً عن أن كل جامعة تحرص على اسمها وسمعتها الاكاديمية والبحثية.
ربما تتجه بعض الرسائل نحو مسائل مطروقة وقد يكون سبق تناولها، وقد يرى بعضنا أن هناك تجنبا لقضايا بعينها أو عدم انتباه لأمور تستحق البحث والدراسة، لكن يحسن أن يترك هذا الجانب لأهل الاختصاص يدرسونه ويقررون فيه ما يرونه.
الأستاذ الدكتور محمود السعيد نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا يرى أن تضع الجامعة شروطاً تضمن اتجاه الباحثين نحو جوانب جديدة، ليس بقصد التعجيز ولا صرف الشبان عن مجال البحث، بل أن ندفعهم نحو مجالات جديدة.
وهناك من يلاحظ أن بعض الجامعات تدقق وتتشدد مع البحث إذا كان عضو هيئة تدريس بالجامعة، حفاظا على الاسم والسمعة العلمية، فضلا عن مستقبل الجامعة، أما إذا لم يكن الدارس ضمن هيئة التدريس، يتم التساهل فى بعض الأمور، لكن هذه ملاحظات فردية، يصعب اعتبارها قاعدة تسرى على الجامعة.
غير أن واجب الجهات المسئولة فى الدولة ان تحدد كل منها القضايا والأمور التى تتطلب بحثاً ودراسة وتبعث بها إلى الجامعات مباشرة أو عبر المجلس الأعلى للجامعات.
من ذلك مثلاً لماذا يستمر إلى اليوم بعض الصبية فى المحافظات فى قصف القطارات بالطوب أو الحجارة؟.. مثلا كيف يمكن أن نستفيد من صحارى مصر فى مجال الزراعة أشجار ونباتات لا تحتاج إلى مياه كثيرة فى الري؟
من الناحية العلمية والعملية يجب أن نسعد بازدياد الإقبال على الدراسات العليا «ماجستير ودكتوراه»، هذا يكشف تطلعا نحو البحث العلمى وإن التعليم مازال يمثل قيمة رفيعة ومحترمة لدى الأجيال القادمة، بعض الآراء المتشائمة تذهب إلى العكس وأن كل شيء بات يقاس بالمال، بغض النظر عن مصدره وطرق التحصل عليه بعض أعمال الدراما التليفزيونية والسينمائية حاولت من قبل الترويج لذلك.
هناك بعض التخصصات يكون للدرجة العلمية العليا مردوداً مباشرا على مسار حاملها، فى مجال الطب مثلا هناك فارق بين الطبيب الممارس العام والاستشارى والاختصاصى ثم الأستاذ، الفارق هنا فى جانب كبير منه يعود إلى نيل درجة علمية أعلي، بعد البكالوريوس فى مجال القانون والمحاماة قد نجد شيئا من ذلك.
المشكلة فى حملة الماجستير والدكتوراه حين يتم إلحاقهم ببعض الوظائف العامة والجهات الحكومية والإدارية، وهنا تحدث المفارقة، عادة لا يقومون بدورهم الوظيفى ويتأففون من ذلك، وتسمع كلمة «أنا معى دكتوراه» مكانى مش هنا، أتمنى أن تكون هناك دراسة وتقييم لتجربة إلحاق حاملى الدكتوراه والماجستير فى بعض الهيئات الحكومية، لقد تم التوسع فى هذه التجربة، حين كان د.عصام شرف رئيسا لمجلس الوزراء وكانت البلاد تعيش أجواء 52 يناير.
الأصل أن درجة الدكتوراه تفتح الطريق نحو المزيد من البحث العلمى والعمل فى المراكز البحثية والعلمية، يجب الاعتراف أن هذه المراكز لدينا ليست بالأعداد والتخصصات التى يجب أن تكون عليه، أما العمل فى الوظائف الحكومية، له متطلبات تنفيذية وسمات أخرى.
عرفت الوظائف الحكومية أن يسعى أحد الموظفين للحصول على درجة علمية، تحسن من وضعه الوظيفى ويرتقى داخل الوظيفة إلى درجة كانت تحول الدرجة العلمية دونها وتمنعه منها، رواية نجيب محفوظ «حضرة المحترم» تدور حول هذه المسألة، تقدم لنا صورة حية داخل أحد الأجهزة الحكومية.
فى وقت من الأوقات زادت حدة أزمة الذين عينوا فى الوظيفة بدرجة معينة ثم نالوا بعدها مؤهلاً جامعياً، وصدر سنوات السبعينيات قانون لمعالجة ما أطلق عليه «التسرب الوظيفي»، الآن القضية معكوسة.. أفراد يدخلون الوظيفة بالدرجة العلمية العليا «ماجستير أو دكتوراه» بينما شروط الموقع الوظيفى لا تتطلب تلك الدرجة.. هنا قد تقع المشكلة؟









