فشلت الجولة – التى تعتبر الأولى – من مفاوضات إسلام آباد، بين أمريكا وإيران، وانتهت دون اتفاق، نتيجة الفجوة العميقة فى المواقف، والخلاف فى إصرار واشنطن على إنهاء كامل للبرنامج النووى الإيرانى، مقابل تمسك طهران بحقها فى تخصيب اليورانيوم ورفضها التخلى عن قدراتها الإستراتيجية، والسيطرة على مضيق هرمز، ورفع العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وتعويضات عن الحرب، ووقف إطلاق النار فى لبنان.
ويعكس الموقف التشدد المتبادل، مع خيارات صعبة، من الدخول فى مفاوضات طويلة ومعقدة، أو العودة إلى التصعيد العسكرى الذى يؤدى إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية، وثالثا إنهاء الحرب دون اتفاق، وهو خيار يترك الملفات دون حل.
وما يزيد من تعقيد الموقف أن كل طرف لا يريد أن يقبل بما قام برفضه من قبل ونشبت الحرب من أجله، لأن ذلك يعد «هزيمة» بكل المقاييس، فأى تنازل عن شروط ما قبل الحرب، يعد خسارة وانتكاسة كبيرة، حتى أن الوفد الإيرانى كان يضع صور التلميذات على مقاعد الطائرة التى اقلتهم إلى باكستان لتذكرهم ببعض ما تعرضوا له.
المفاوضات، كانت تعتمد على مبدأ «المال مقابل المضيق»، ولا يخفى أن الأمريكان والإيرانيين، تضرروا من الحرب وخسائرها الجسيمة، وكانوا يبحثون عن أى مخرج لوقفها، وتلقفوا الطرح الباكستاني، حتى أن صحيفة فايننشيال تايمز قالت إن ترامب هو الذى اتصل بباكستان وطلب منها التوسط وطرح هدنة لوقف الحرب، لأنه كان يائسًا ويريد الخروج من هذا المطب.
وبعد 21 ساعة من التباحث، أعلن نائب الرئيس الأمريكى أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق، وأنهم حددوا موقفهم لكن الطرف الآخر لم يقبل الشروط، وكشفت تقارير عن أن الولايات المتحدة أرسلت وفداً ضخماً يضم قرابة 003 مسؤول وخبير، فيما تم وصفه بأن «واشنطن نقلت مكاتبها الاستراتيجية إلى باكستان»، وهذا العدد الضخم لا يناقش علاقات ثنائية، بل لصياغة اتفاق شامل.
وبعد أن وافقت واشنطن على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة فى قطر وبنوك أجنبية، مع الأمل فى عبور سفن تابعة للبحرية الأمريكية من مضيق هرمز، تبين أن إيران لا تستطيع فتح المضيق كاملاً أمام الملاحة لأنها غير قادرة على تحديد مواقع الألغام وتفتقر إلى القدرة على إزالتها.
الموقف يبدو أكثر تعقيداً وربما ينذر بالعودة إلى الحرب، إلا أن مصادر باكستانية قالت إن وقف إطلاق النار مستمر حتى 12 أبريل، وأشارت الخارجية الإيرانية إلى أن طريق الدبلوماسية لم يُغلَق، لكن لجنة الأمن القومى الإيرانية فجرت قنبلة من العيار الثقيل بأنه على جميع السفن التى تدخل مضيق هرمز دفع رسوم عبور بموجب نظام رقابى جديد.
هذا ليس نهاية المطاف ولا إغلاقا لباب الحوار، إنما فى يقيني، محاولة من الطرفين لكسب المزيد من الوقت للحصول على أكبر قدر من المكاسب، والضغط على الآخر، لكنه فرصة للنتن ياهو لإفساد أى خطوة سلام، فقد استغل توقف الحرب، ووجه آلياته وقوته الغاشمة إلى لبنان فى إبادة جماعية ودمار لا يقل عما كان يرتكبه فى غزة.
وهاجم ترامب شخصيات إعلامية، ووصفهم بالمختلين، رداً على اتهامات حول علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي، الذى شن عليه سياسيون أمريكيون هجوماً غير مسبوق، ووصفوا نتنياهو بالمخادع، وأن ترامب لا يستطيع رفض طلباته، وابتلع أكاذيبه بالكامل دون نقاش، رغم التحذيرات الشديدة بعدم الانجرار خلف ألاعيبه، وكشف آخرون عن أن أكثر من أربعة رؤساء أمريكيين رفضوا من قبل طلب نتنياهو بشن حرب على إيران ولم يقبل إلا ترامب.
بل أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن تل أبيب تبدى ارتياحًا لصلابة الموقف الأمريكى، وتستعد لاحتمال استئناف القتال، ونقلت وسائل إعلام عبرية أن رئيس الأركان طلب من الجيش الاستعداد لاحتمال العودة للحرب مع إيران.
على أى حال، النظام العالمى قبل الحرب مختلف عما بعدها، سواء عادت المواجهات أو تم الاتفاق على سلام، لأن قناعات وأوضاعا ومواقف كثيرة تغيرت وبشدة.









