ما بين الصمت والبوح يعيش الإنسان معركة داخلية يصعب وصفها وتصور نتائجها لعدم القدرة على معرفة طاقة احتمال الحالتين فكلاهما خيار قد تكون نتيجته مدمرة فقد يكون الصمت قراراً وتكون النتيجة معاناة إنسانية تدمر صاحبها وقد يكون البوح فرضاً فتأتى سهام انعدام الخصوصية وتبعاتها قاتلة.
كانت الساعة تقترب من الرابعة فجراً عندما قررت انتظار أذان الفجر قبل أن أخلد للنوم وقبل أن يغافلنى النعاس قررت تصفح بعض مواقع التواصل الاجتماعى لأظل مستيقظة لحين أداء الصلاة حتى وقع نظرى على تدوينة لإحدى السيدات بدأتها بأنها الآن مجبرة على الكلام بعد أن ضاقت بها السبل ولم يعد أمامها أى حلول لتجاوز ما تمر به.
السيدة التى تدعى هاجر خالد كما يسجل الحساب الشخصى لها قالت إنها تزوجت من شخص وأنجبت منه خمسة من الأبناء وكان الضرب والتعنيف هو العنوان الأساسى لحياتها معه ووسط عدم رغبة والدها فى عودتها له مطلقة لأنه لا يستطيع الانفاق عليها تحملت حتى انتهت قدرتها على الاحتمال وطلقت منه ليرفض الإنفاق عليها لتستطيع تربية أطفاله وعندما ضاقت بها السبل أرسلتهم له ليكون الضرب مصيراً لهم كما كان حالها معه فعادت لتأخذهم مرة أخرى لكنها لا تستطيع الآن دفع الإيجار والخروج للعمل للإنفاق عليهم.
السيدة تحدثت عن الصمت الذى اختارته لسنوات لأنها لا تريد نظرة شفقة أو تشفٍ واختراق لخصوصية كانت تحلم بها لكن الظروف أجبرتها اليوم على الحديث المر ونشر صور تبين آثار الاعتداء عليها..فعلت هذا بعد أن ضاقت بها السبل وأغلقت كافة الأبواب فى وجهها اختارت أن تعيش ميتة ليحيا أطفالها.
وسط تلك الكلمات تذكرت ابنة حارس العقار التى أجبرها والدها على الزواج وهى دون الثامنة عشر وقبل أن تصل لها أنجبت طفلتها الأولى لتجد نفسها طفلة أماً لطفلة أخرى مع زوج يقسو عليها ويعنفها لتعود إلى أسرتها التى أجبرتها على العودة له لتعود لهم ثانية بصحبة طفلة ثانية ولكن هذه المرة بمرارة الزواج عليها وفى المرة الثالثة عادت بصحبة طفلة ثالثة وهنا قررت الاستقلال والبحث عن مسكن وعمل يمنحها حقها فى الطلاق من رجل لا علاقة له بالرجولة.. حكت لى بعد أن كسرها الاحتياج وقتلها عجزها عن تلبية طلبات صغيراتها الثلاث.
ومع اختلاف الظروف الاجتماعية تذكرت صديقتى التى تلقت الغدر بعد قصة حب وزواج دامت لما يقرب من ربع قرن عاشت فيها حالة من الضياع وهى تبحث عن ذكريات لم تعد إلا ماضيًا لن يعود حتى كانت الفاجعة عندما اكتشفت خيانته لها وقتها قرر الانتقام منها لأنها علمت ما رفع غطاء الستر عنه ورغم أنها صمتت واكتفت بطلب الطلاق حرصاً على صورة الأب فى عيون صغارها إلا أنه تفنن فى تدميرها وتهديدها بين وقت وآخر بطردها من مسكن الزوجية لانتهاء سن حضانتها للصغار.
صليت الفجر ونمت وأن أدعو لكل امرأة عانت من رجل لم يراع الله فيها وأجبرها على البوح بعد أن أتعبها الصمت على ظروف فاقت الاحتمال لاستيقظ بعد ساعات على فاجعة إنسانية لسيدة قد تختلف فى الاسم لكنها تتشابه فى الظروف والتفاصيل التى أجبرتها على البوح لكنها هذه المرة قررت البوح قبل لحظات من النهاية وهى مهددة بالطرد من المسكن الذى وجدت فيه الأمان من قسوة الحياة بصحبة صغيرتيها وهاهو يسرق منها لينتهى الأمان فى عالمها فتأخد قرارها بإنهاء هذا العالم القاسى وترحل فى مشهد اختارت أن يكون أشد قسوة أن السكن الآمن هو المطلب الرئيسى لهذه الحالات مع اختلاف ظروفهم ومعاناتهم لكنهم وجدوا فى السكن فرصة فى الحياة لمواصلة الرسالة مع صغار لا ذنب لهم فى الانتماء لأب لا علاقة له بهم إلا فى الاسم الذى يقترن بهم وهنا يأتى سؤالى لماذا لا يعطى صندوق الإسكان الاجتماعى لهؤلاء السيدات الحق فى الحياة من خلال منحهن وحدة سكنية الغريب أن بعضهن تقدمن فى الإعلانات السابقة وكان الرد الرفض لكونهن خارج الأولوية فإذا كن خارج الأولوية فمن يكون داخلها.. امنحوا المطلقات الحق فى الحياة ووفروا لهن مسكناً وفرصة عمل حتى لا تكسروا صمتهن وتجبروهن على البوح فإنه حقاً قاتل.









