فى لحظات قليلة من التاريخ، تتوقف حركة العالم عند شريط ضيق من الماء. بضعة كيلومترات من البحر قد تتحول فجأة إلى عقدة تختنق عندها التجارة العالمية، وترتفع معها أسعار الطاقة، وتتحرك الأساطيل العسكرية، ويحبس العالم أنفاسه مترقبًا. هكذا تبدو الصورة اليوم مع مضيق هرمز، ذلك الشريان البحرى الذى يمر عبره ما يقرب من خُمس تجارة النفط العالمية، والذى تحوّل مرة أخرى إلى بؤرة توتر دولى تراقبه العواصم الكبرى بقلق بالغ.
>>>
الممرات البحرية ليست مجرد خرائط فى كتب الجغرافيا، بل هى مفاتيح القوة فى النظام الدولي. منذ قرون، أدركت الإمبراطوريات أن من يسيطر على المضايق والممرات البحرية يملك القدرة على التأثير فى الاقتصاد العالمي. لهذا كانت المضايق الطبيعية، مثل هرمز وباب المندب وملقا وجبل طارق والبوسفور، دائمًا فى قلب الصراعات الكبري، لأنها تشبه البوابات التى تمر منها حركة التجارة والطاقة بين القارات.
>>>
القانون الدولى حاول أن يضع إطارًا منظمًا لهذه المسألة. فالمضايق الطبيعية التى تصل بين بحرين أو ممرين دوليين تُعتبر ممرات مفتوحة للملاحة الدولية، ولا يجوز لأى دولة أن تمنع المرور فيها أو أن تفرض رسومًا على السفن العابرة. هذه القاعدة جاءت لضمان انسياب التجارة العالمية وعدم تحويل المضايق إلى أدوات ابتزاز سياسى أو اقتصادي. وعلى العكس من ذلك، فإن القنوات الصناعية التى حفرتها الدول بأموالها وجهودها، مثل قناة السويس أو قناة بنما، يحق للدول المالكة لها أن تفرض رسوم عبور نظير استخدامها، لأنها منشآت بشرية وليست ممرات طبيعية.
>>>
غير أن ما يجرى اليوم فى الخليج يشير إلى محاولة لإعادة طرح هذه القواعد للنقاش. إيران تلوّح بورقة السيادة الجغرافية، وتلمّح إلى أنها صاحبة اليد العليا فى مضيق هرمز، بل وتذهب بعض التصريحات إلى حد الإيحاء بإمكانية فرض نوع من التحكم أو الرسوم على حركة المرور فيه. وتستند طهران فى موقفها إلى أنها لم توقّع على بعض الاتفاقيات الدولية المنظمة للملاحة فى المضايق، كما ترى أن المضيق يقع فى نطاقها الإقليمى المشترك مع سلطنة عُمان.
>>>
لكن المسألة هنا لا تتعلق بإيران وحدها، ولا حتى بدول الخليج فقط. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر محلي، بل شريان اقتصادى عالمى تمر عبره ملايين البراميل من النفط يوميًا. أى محاولة لتغيير قواعد المرور فيه لن تكون قضية إقليمية، بل صدمة للنظام التجارى العالمى بأسره. فالعالم المعاصر يقوم على فكرة انسياب التجارة والطاقة عبر طرق بحرية آمنة ومفتوحة، وأى عبث بهذه القاعدة قد يدفع الأسواق إلى حالة من الفوضى والاضطراب.
>>>
هنا يعود التاريخ ليطل برأسه من جديد. ففى عام 1956 تحولت قناة السويس إلى مسرح لأزمة دولية كبرى عندما حاولت بريطانيا وفرنسا استعادة السيطرة عليها بعد قرار تأميمها. انتهت تلك الأزمة ليس فقط بفشل العدوان الثلاثي، بل أيضًا بإعلان نهاية مرحلة كاملة من النفوذ البريطانى فى الشرق الأوسط وصعود الدور الأمريكى كقوة مهيمنة على النظام الدولي.
>>>
اليوم، حين يتصاعد التوتر حول مضيق هرمز، يبدو وكأن التاريخ يلمح إلى تكرار مشهد مشابه، ولكن بأبطال مختلفين. فالعالم الذى تشكل بعد الحرب العالمية الثانية تحت المظلة الأمريكية يواجه الآن تحديات متزايدة، فى وقت تصعد فيه قوى جديدة على المسرح الدولي، وفى مقدمتها الصين التى تعتمد بشكل هائل على طرق التجارة والطاقة البحرية.
>>>
وهكذا تبقى الممرات البحرية لعنة وجائزة فى آن واحد. هى شرايين الحياة للاقتصاد العالمي، لكنها فى الوقت نفسه نقاط هشاشة قد تتحول إلى ساحات صراع بين القوى الكبري. وبينما تبدو المضايق على الخريطة مجرد خطوط مائية ضيقة، فإنها فى الحقيقة مفاتيح التاريخ، حيث قد يتغير ميزان القوى العالمى عند بوابة بحرية لا يتجاوز عرضها بضعة أميال.









