كان لوالدي مكتبة كبيرة في بيتنا في مخيم الطالبية في الأردن،وبالمناسبة بيتنا على أطرااف المخيّم ، وهو صغير وملموم، وكنت إذا صعدت على السطح رأيت المخيم حتى آخره الى مدرسة “الوكالة”: وفي الأفق سأرى صفوفا مرتبة من ألواح “الزينكو” تغطي أسقف البيوت، مثبّتة بإحكام من الأطراف وفي الوسط يظهر الطوب بشكل عشوائي لكي يضفي وزنا اضافيا حتى لا تتطاير الألواح في ليالي الشتاء شديدة الرياح، غير أن كثير من البيوت حظيت، قبل سنوات، بمنحة “ألمانية” على ما أتذكر، واستبدلت “الزينكو” بأسقف اسمنتية صامتة..
كانت البيوت الأسمنتية معدودة على الأصابع، ولم يكن ثمّة طابق ثان في المخيم، لأن أسقف البيوت كانت مشيّدة من “الزينكو”، وإذا رأيت “بيت معقود”، والمعقود أي المبني سقفه بالاسمنت ،، فما أكثرها من رفاهية يحظى بها صاحب هذا البيت..
المهم.. لا أدري كيف تقلّصت مكتبة والدي مع مرور الزمن، حتى حسبت أن الكتب تهاجر مع هجرة صاحبها. وكنت إذا دخلتها امتلأتُ برائحة الورق القديم المائل إلى اللون البني، ذلك اللون الدافئ الذي تصدر منه رائحة أليفة يعرفها كل قارئ، وإذا كنت أقف أمام رفوفها كانت العناوين تبدو كخيطٍ أفقيٍ متصل على كعاب الكتب لا يقطعه سوى فاصل خشبي عمودي يقف في نهاية الرف، ولن يمر وقت طويل حتى أحفظ العناوين عن ظهر قلب لكثرة ما ترددت على قرائتها..
تمثّلت هذه المشهدية أمامي منذ بواكير العمر، حتى ظننت أن مكتبة والدي الأكبر في الدنيا، ومن المؤلفات العالقة في ذهني الى اليوم هو المعاجم التي كانت تحويها، ولعل أبرزها معجم “الصحاح” إذ كنت أعود إليه في كل مرة تستعصي عليّ مفردة قرأتها في قصيدة أو رواية، وكم كنت أشفق على مكتبة المدرسة وأقول في ذات نفسي إنها لا تحوي الكتب القيمة التي تحملها رفوف مكتبتنا..
كانت (الغرفة المكتبة) ملاذي في ليالي الشتاء. ولربما اشتدت الريح فدخلت من شق النافذة نسمات باردة، فتدثرت بأحضان الكتب، وكلما حاولت أن استأنس بالقراءة غلبني النعاس، فأنام على وسادة التعب والحلم، ولا استيقظ إلّا على صوت حبّات المطر وهي تتساقط على ألواح أسقف بيوت المخيم “الزينكو” ..
سافر والدي وسافرت أنا، وبقيت المكتبة على حالها: خيوط متصلة، ورائحة أليفة، ونسمات باردة ولفحات دفء غريبة، وكلما عاد والدي عادت لها الحياة، وكم بحثت في سفري هذا عن مكتبة وغرفة وملاذ مثل مكتبتنا تلك التي في آخر المخيّم..
تعود بي الذاكرة الى مكتبة والدي كلما دخلت مكتبة جديدة، وإلى الآن لم أر مكتبة تضاهيها سوى مكتبة صغيرة في عزلة جبل في البعيد.. ولربما اشتدت الريح لكن لم تقتلع مني جوهر الرواية، وهأنذا كلما دخلت مكتبة أقول في نفسي، كما يقول الشاعر الفلسطيني غسان زقطان: “أُحب أنني ولدت في بيت شاعر قريباً من مكتبة وافرة”…









