صدر حديثًا عن دار “رؤية” كتاب “ألغام الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي” للمفكر والباحث الدكتور هاني نسيرة؛ والذي يقدم فيه مقاربة نقدية شاملة لواحد من أعقد الملفات التي تواجه العقل العربي المعاصر.
في استهلاله التحليلي، يضبط الكتاب مفهوم الهوية محذداً أنواعها ومخاطر التعاطي الأحادي معها، معتبراً أن الأزمات الراهنة تنبع من قصور في الفهم وجمود في المرجعيات. وينطلق الدكتور نسيرة من إطار منهجي صارم، مستخدماً أدوات “أركيولوجيا الصراع” لتتبع تاريخ الهوية في الخطاب العربي الحديث، وما صاحبه من ظهور متأخر للدراسات التي تعالج “المرايا المتقابلة” بين الذات والآخر.
عبر فصوله الخمسة، يستعرض الكتاب مفهوم “الهوية المركبة”، مؤكداً أن التنوع ثراءٌ يمثل صمام أمان لا مبعث صراع. ويتناول المؤلف الهوية من منظور “الهابيتوس” (Habitus) كمدخل نفسي واجتماعي، مشدداً على أن الهوية الوطنية هي الشرط الأساسي لاستقرار الدولة المعاصرة. كما يفرد مساحة واسعة للنقاش حول العلاقة الشائكة بين “الديني” و”التاريخي”، محذراً من تحول الهوية إلى “جوهرانية ثقافية” منغلقة تولد الفوارق وتغذي الانشطار.

وفي قراءة تاريخية وسياسية معمقة، يعيد نسيرة تسليط الضوء على معركة كتاب “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق، وسياقات فكر الإمام محمد عبده تجاه مسألة الخلافة. ثم ينتقل الكتاب لتحليل ما يسميه “استلاب الهوية الدينية” لدى التيارات الأصولية، راصداً التحول من مفهوم “الخلافة” التاريخي إلى مفهوم “الحاكمية” العقدي، وما نتج عنه من ظهور “الهوية المقاتلة” ومفاهيم “الولاء والبراء” التي أسست للعنف المسلح في المشهد السني المعاصر.
ولا يكتفي الكتاب بالتنظير التاريخي، بل يشتبك مع الراهن عبر مناقشة “الهوية الرقمية” وتحديات الذكاء الاصطناعي، متصدياً للمخاوف المتخيلة التي تهدد الهويات الوطنية في الفضاء السيبراني. كما يخصص فصلاً حيوياً حول “الهوية الكيميتية” في مصر وإفريقيا، محللاً أسباب صعود هذا التيار وتأثيراته، مروراً برموز الهوية اليومية في الفن والتراث الشعبي والذاكرة الحية.
يختتم الدكتور نسيرة كتابه برؤية استشرافية تحت عنوان “الأنسنة والتدين الحضاري”، مقدماً توصيات عملية لنزع “ألغام الهويات” المتفجرة؛ وتتلخص رؤيته في ضرورة التربية على “معقولية التنوع”، وتجريم خطابات الكراهية، وتمكين الهوية الإنسانية عبر القانون وقيم المواطنة، بما يضمن حماية الدولة الوطنية من الانزلاق نحو الصراعات الطائفية أو العرقية.
يأتي هذا الكتاب انطلاقاً من إيمان المؤلف بالسبيل العقلي والإبداعي القائم على استيعاب الآخر دون تمييز أو إقصاء، كمنطلق للعيش المشترك وضمانة للسلم الأهلي. ويُعد العمل إضافة نوعية للمكتبة العربية، وصرخة معرفية تدعو لتبني “هوية منفتحة” قادرة على استيعاب الحداثة دون التفريط في الجوهر الحضاري.
يُذكر أن الدكتور هاني نسيرة يُصنف ضمن طليعة المتخصصين في تفكيك الفكر الأصولي وتشريح تيارات الإسلام السياسي، وقد نجح عبر مشروعه الفكري في ترسيخ الإصلاح المعرفي كمدخل أساسي لاستقرار المجتمعات وإقرار الوئام المدني.









