فكرت الحكومة في أن تستعين بحاملي الماجستير والدكتوراه في بعض الوظائف العامة، خاصة مع مطالب دائمة من بعض السادة نواب البرلمان بضرورة أن تكون الأولوية في التوظيف لحاملي الماجستير والدكتوراه. وكان أن عهدت الحكومة إلى وزارة التعليم العالي، ومن ثم المجلس الأعلى للجامعات، بإحصاء أعداد الحاصلين على الدرجات الجامعية العليا؛ أي ما بعد الحصول على درجة البكالوريوس والليسانس. تشكلت لجنة من كبار الأساتذة بالجامعات، وأوشكت اللجنة على الانتهاء من العمل وإعداد تقرير بذلك.
المفاجأة أن اللجنة وجدت أن جامعاتنا منحت خلال السنوات العشر الأخيرة أكثر من مليون ماجستير ودكتوراه، نسبة الماجستير فيها أعلى؛ باعتبار أن هناك من يكتفي به ويتوقف عنده أو يتباطأ قبل الشروع في الحصول على الدكتوراه.
تتفاوت الأرقام بين السنوات، مثلًا في سنة 2016، كان العدد أكثر من 120 ألف ماجستير ودكتوراه. وفي العامين الأخيرين لوحظ تراجع الأعداد، ويُقال إن السبب هو اتجاه بعض الجامعات إلى رفع رسوم التسجيل لدرجتي الماجستير والدكتوراه، وربما هناك أسباب أخرى، وعمومًا لا أميل إلى تعليق كل ظاهرة اجتماعية وسياسية في رقبة البعد المالي والاقتصادي.
نعرف أن بعض جامعاتنا تتفاخر بزيادة أعداد درجات الماجستير والدكتوراه التي تمنحها سنويًا، وتعد ذلك دليل جدية في البحث والإشراف العلمي، كما أن بعض السادة الأساتذة يعتزون بأعداد الرسائل العلمية التي أشرفوا عليها؛ فصديق عزيز كان يدون في بطاقة التعريف به أنه أشرف على أكثر من ألف رسالة جامعية، وأحد السادة رؤساء الجامعات ذكر وهو يودع منصبه أن الجامعة في آخر عامين من عمله منحت أكثر من 14 ألف ماجستير ودكتوراه.
مليون ماجستير ودكتوراه في عشر سنوات، بمتوسط مئة ألف سنويًا؛ رقم ضخم جدًا قياسًا على المعدلات في عدد من الدول؛ ففي ألمانيا الرقم حوالي 28 ألفًا، وفي بريطانيا يتجاوز قليلًا 25 ألفًا، وفي فرنسا أقل من 14 ألفًا، وفي كل من إيطاليا وإسبانيا يتجاوز 10 آلاف.
وفي منطقتنا، يصل الرقم إلى 4500 سنويًا، وفي إندونيسيا 3500، وفي جنوب إفريقيا ألفين فقط، ويرتفع إلى أكثر من 24 ألفًا في الهند التي يتجاوز عدد سكانها المليار، أي تقريبًا عشرة أضعاف سكان جمهورية مصر العربية.
وهكذا نحن نتفوق على هذه البلدان جميعًا، وننافس الولايات المتحدة الأمريكية التي يبلغ عدد درجات الدكتوراه التي تُمنح بها سنويًا حوالي 58 ألف درجة، رغم أن عدد الجامعات بها يتجاوز ستة أضعاف عدد الجامعات لدينا.
نعرف أن لدينا في مصر طلبًا اجتماعيًا متزايدًا على التعليم العالي لأسباب كثيرة، أبرزها أن المجتمع منذ أن كان د. طه حسين وزيرًا للمعارف اعتبر التعليم حقًا لكل إنسان كالماء والهواء، وكما قيل: التعليم “أسانسير اجتماعي” ينتقل بصاحبه اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. وبعد قيام ثورة يوليو 1952، تأكد هذا المعنى، وصار التعليم المعترف به اجتماعيًا هو التعليم الجامعي، بينما ذهب التعليم الفني إلى الدرجة الدنيا اجتماعيًا وتراجع تقديره واعتباره، صار التركيز على التعليم الجامعي، ثم التركيز الأكبر على من يواصل حتى الدكتوراه ولا يتوقف عند البكالوريوس.
وبعيدًا عن القيمة العلمية، صارت الشهادة العليا، خاصة الدكتوراه -أو كما يطلق عليها (د.)- مصدرًا للوجاهة الاجتماعية لدى البعض، يتقدم بها إلى وظيفة مرموقة أو مصاهرة لم يكن ليُقدم عليها دون الشهادة العليا. بالغ البعض في ذلك حتى إن وزيرًا للثقافة والإعلام، وهو د. عبد القادر حاتم، قال ذات مرة: “بلد شهادات”، ورددها النجم الكبير عادل إمام في مشهد شهير له. وصل الأمر إلى أن بعض من لم يحصلوا على تلك الدرجة يضيفون إلى أنفسهم ألقابًا عديدة، من بينها (الأستاذ الدكتور) دون أن تكون هناك أستاذية ولا دكتوراه؛ لكن ربما يكون ذلك جزءًا من فوضى الألقاب في مصر، وكأن الاسم مجردًا بات عيبًا فلا بد من لقب يسبقه: باشمهندس -بالسين أو بالزاي- دكتور، مستشار، حاج، وهكذا.
لست مع اتهام البعض للرسائل العلمية في السنوات الأخيرة بأنها مجرد زيادة كمية؛ فكل رسالة مرت على لجنة تحكيم ومناقشة علنية، فضلاً عن أن كل جامعة تحرص على اسمها وسمعتها الأكاديمية والبحثية.
ربما تتجه بعض الرسائل نحو مسائل مطروقة وقد يكون سبق تناولها، وقد يرى بعضنا أن هناك تجنبًا لقضايا بعينها أو عدم انتباه لأمور تستحق البحث والدراسة، لكن يحسن أن يُترك هذا الجانب لأهل الاختصاص يدرسونه ويقررون فيه ما يرونه.
الأستاذ الدكتور محمود السعيد، نائب رئيس جامعة القاهرة للدراسات العليا، يرى أن تضع الجامعة شروطًا تضمن اتجاه الباحثين نحو جوانب جديدة، ليس بقصد التعجيز ولا صرف الشباب عن مجال البحث، بل لندفعهم نحو مجالات جديدة.
وهناك من يلاحظ أن بعض الجامعات تدقق وتتشدد مع الباحث إذا كان عضو هيئة تدريس بالجامعة؛ حفاظًا على الاسم والسمعة العلمية، فضلاً عن مستقبل الجامعة، أما إذا لم يكن الدارس ضمن هيئة التدريس فيتم التساهل في بعض الأمور، لكن هذه ملاحظات فردية يصعب اعتبارها قاعدة تسري على الجامعة.


غير أن واجب الجهات المسؤولة في الدولة أن تحدد كل منها القضايا والأمور التي تتطلب بحثًا ودراسة وتبعث بها إلى الجامعات مباشرةً أو عبر المجلس الأعلى للجامعات. ومن ذلك: لماذا يستمر إلى اليوم بعض الصبية في المحافظات في رشق القطارات بالطوب أو الحجارة؟.. مثلًا: كيف يمكن أن نستفيد من صحاري مصر في مجال زراعة أشجار ونباتات لا تحتاج مياهاً كثيرة في الري؟
من الناحية العلمية والعملية يجب أن نسعد بازدياد الإقبال على الدراسات العليا (ماجستير ودكتوراه)، فهذا يكشف تطلعًا نحو البحث العلمي، وأن التعليم ما زال يمثل قيمة رفيعة ومحترمة لدى الأجيال القادمة، رغماً عن بعض الآراء المتشائمة التي تذهب إلى العكس وأن كل شيء بات يقاس بالمال، بغض النظر عن مصدره وطرق التحصل عليه، وهي الأفكار التي حاولت بعض أعمال الدراما التلفزيونية والسينمائية الترويج لها من قبل.
هناك بعض التخصصات يكون للدرجة العلمية العليا فيها مردود مباشر على مسار حاملها؛ في مجال الطب مثلًا هناك فارق بين الطبيب الممارس العام والاستشاري والاختصاصي ثم الأستاذ، الفارق هنا في جانب كبير منه يعود إلى نيل درجة علمية أعلى بعد البكالوريوس. وفي مجال القانون والمحاماة قد نجد شيئًا من ذلك.
المشكلة في حملة الماجستير والدكتوراه تظهر حين يتم إلحاقهم ببعض الوظائف العامة والجهات الحكومية والإدارية، وهنا تحدث المفارقة؛ فعادة لايقومون بدورهم الوظيفي ويتأففون من ذلك، وتسمع كلمة “أنا معي دكتوراه، مكاني ليس هنا”. أتمنى أن تكون هناك دراسة وتقييم لتجربة إلحاق حاملي الدكتوراه والماجستير في بعض الهيئات الحكومية؛ فقد تم التوسع في هذه التجربة حين كان د. عصام شرف رئيسًا لمجلس الوزراء وكانت البلاد تعيش أجواء 25 يناير.
الأصل أن درجة الدكتوراه تفتح الطريق نحو المزيد من البحث العلمي والعمل في المراكز البحثية والعلمية، ويجب الاعتراف بأن هذه المراكز لدينا ليست بالأعداد والتخصصات التي يجب أن تكون عليها. أما العمل في الوظائف الحكومية فله متطلبات تنفيذية وسمات أخرى.
عرفت الوظائف الحكومية أن يسعى أحد الموظفين للحصول على درجة علمية تحسن من وضعه الوظيفي ويرتقي داخل الوظيفة إلى درجة كانت تحول دونها الدرجة العلمية وتمنعه منها؛ ورواية نجيب محفوظ “حضرة المحترم” تدور حول هذه المسألة، وتقدم لنا صورة حية داخل أحد الأجهزة الحكومية.
في وقت من الأوقات زادت حدة أزمة الذين عُينوا في الوظيفة بدرجة معينة ثم نالوا بعدها مؤهلاً جامعيًا، وصدر في سنوات السبعينيات قانون لمعالجة ما أطلق عليه “الرسوب الوظيفي”، والآن القضية معكوسة؛ أفراد يدخلون الوظيفة بالدرجة العلمية العليا (ماجستير أو دكتوراه)، بينما شروط الموقع الوظيفي لا تتطلب تلك الدرجة.. هنا قد تقع المشكلة؟









