فى زمن تزدحم فيه الوجوه بالهموم والغموم، وتمتلئ القلوب بالهواجس، والعقول بالشواغل، لم تعد الابتسامة رفاهية، بل أصبحت ضرورة ملحة.
نعم.. نحتاج الابتسامة، ليس لأنها تجمل الحياة، بل لأنها أحيانا الشيء الوحيد القادر على أن يبقيها محتملة.
نخرج كل يوم نحمل ما لا يرى ؛ ضغوطا، قلقا، أعباء لا تنتهي. نسير بين الناس بوجوه صامتة، وكأن كل منا يخوض معركته الخاصة دون أن يلتفت إليه أحد. وهنا تحديدا، تصبح الابتسامة فعل إنقاذ، وأملا أساسيا للبقاء قبل أن تكون مجرد تعبير.
نحتاج الابتسامة.. لأنها اللغة الوحيدة التى يفهمها الجميع دون شرح. لا تحتاج ثقافة، ولا مستوى، ولا ظروف مثالية. مجرد وجه هادئ، ونظرة فيها بعض الطمأنينة، كفيلة بأن تغير يوما كاملا. وقد قيل عن عبد الله بن المبارك: «بسط الوجه من المعروف»، وكأنها دعوة مفتوحة لأن تكون الابتسامة بابا من أبواب الخير.
أتذكر صاحب مخبز بسيط، أمامه طابور طويل فى انتظار الخبز. كان الانتظار مرهقا، والوجوه متوترة.
وفجأة.. ابتسم أحد الواقفين وقال للخباز: «اتوصى» فانفجر صاحب المخبز فى الضحك .
الموقف لم يحل أزمة، ولم يختصر وقتا.. لكنه خفف شيئا فى صدور الواقفين. أحيانا، لا نحتاج أكثر من ذلك.
ولم يكن هذا المعنى بعيدا عن تراثنا؛ فالابتسامة صدقة، وبسط الوجه من أبسط صور العطاء التى لا تكلف شيئا، لكنها تترك أثرا كبيرا. أن تبتسم، يعنى أنك ما زلت قادرا على منح غيرك لحظة راحة، حتى لو كنت مثقلا بما فى داخلك.
وعلى امتداد الإنسانية، ظل المعنى نفسه يتكرر؛ أن الابتسامة ليست إنكارا للواقع، بل طريقة مختلفة لمواجهته. هى اختيار واع بأن نحافظ على ما تبقى بداخلنا من إنسانية، فى عالم يضغط فى الاتجاه العكسي. ولذلك قالت الام تريزا: السلام يبدأ بابتسامة.
خلونا نتفق.. العبوس والوجه الجامد مش دايما دليل على الجدية، وأحيانا بيكون انعكاس لعجزنا عن التماسك. القسوة بقت أسهل، وموجودة أكتر من اللازم، والغل عمره ما حل مشكلة، بل غالبا بيزود الحمل أضعاف. من هنا، تبقى الابتسامة مش اختيار ثانوي، لكنها وسيلة نحافظ بيها على توازننا، وعلى قدرتنا إننا نكمل. لما نبص لبعض ونلاقى ابتسامة، نحس إن لسة فيه أمل.
فالابتسامة لا تنهى الأزمات، لكنها تقلل حدتها. لا تغير الحقائق، لكنها تغير طريقة رؤيتنا لها. وبين وجه يبتسم وآخر عابس، فرق كبير لا يقاس بالكلام، بل بالأثر الذى يتركه كل واحد فينا فى قلب الآخر.
قد لا نملك أن نغير كل ما حولنا.. لكننا نملك دائما أن نبتسم.
ومحتاجين نعمل كده.. مش لأن الحياة سهلة، بل لأنها تستحق أن نحاول.









