نعيش اليوم فى عالم مختلف جذريًا عما عرفته الأجيال السابقة حيث لم يعد الإنترنت مجرد وسيلة للمعرفة أو التواصل بل تحول إلى بيئة حياة متكاملة تؤثر فى طريقة تفكير الإنسان وسلوكه وعلاقاته.. ومع هذا التحول السريع أصبح العالم الافتراضى حاضرًا فى كل تفاصيل يومنا حتى بات الطفل يتعرف إلى العالم عبر الشاشة قبل أن يختبره فى الواقع.
لا يمكن إنكار ما قدمه الإنترنت من فوائد هائلة للبشرية فقد سهل الوصول الى المعلومة وقرب المسافات وفتح آفاق التعلم والعمل.
إلا أن الوجه الآخر لهذه الثورة الرقمية يتمثل فى المخاطر التى تطال الفئات الأقل وعيًا وفى مقدمتها الأطفال والمراهقون.. فهذه الفئة العمرية لم تكتمل لديها القدرة على التمييز بين النافع والضار وهى أكثر قابلية للتأثر والتقليد والانجذاب لكل ما يعرض أمامها.
إن التأثير النفسى لمواقع التواصل والألعاب الإلكترونية لم يعد أمرًا نظريًا بل أصبح واقعًا ملموسًا حيث تقضى أعداد كبيرة من الأطفال ساعات طويلة يوميا داخل عوالم افتراضية قد تحمل فى طياتها محتوى غير مناسب أو علاقات غير آمنة أو أفكارا مشوهة عن الحياة ومع غياب التوجيه الكافى قد يصبح الإنترنت المصدر الأول لتشكيل القيم والسلوكيات متقدمًا على دور الأسرة والمدرسة.
من هنا تبرز أهمية الدعوة إلى تدخل المشرع فى تنظيم هذا العالم لحماية الأطفال من الفضاء الرقمى على غرار ما تطبقه دول عديدة من تشريعات للسلامة الإلكترونية والرقابة العمرية وتنظيم المحتوى الموجه للنشء.. فحماية الطفل فى العصر الحديث لم تعد تقتصر على الشارع أو المدرسة بل امتدت إلى الهاتف الذى يحمله فى يده والغرفة التى يجلس فيها وحده
إن إصدار تشريعات واضحة تنظم المحتوى الموجه للأطفال وتلزم المنصات الرقمية بإجراءات حماية حقيقية لم يعد تشريعيا بل ضرورة اجتماعية وهذا ما دفع مجلس النواب الى التدخل من اجل وضع قانون يحمى الاطفال من خطر الانترنت ونرجو ان ينتهى مجلس النواب من سرعة الانتهاء من هذا التشريع المهم.
كما أن دور الدولة لا يغنى عن دور الأسرة.. فالمراقبة الواعية والحوار المستمر مع الأبناء والتربية الرقمية السليمة تمثل خط الدفاع الأول قبل أى قوانين.
إن الأطفال ليسوا مستخدمين عاديين للإنترنت بل عقول فى طور التشكل وشخصيات تتكون ملامحها الآن وإذا لم نحسن توجيههم اليوم سندفع جميعا ثمن الإهمال غدا.
فالمعادلة الصحيحة ليست فى منع التكنولوجيا بل فى تنظيمها وليس فى عزل الأبناء عن العالم بل فى إعدادهم للتعامل معه بوعى ومسئولية.
إن حماية النشء فى العصر الرقمى مسئوليه مشتركة بين الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلام وهى استثمار حقيقى فى مستقبل المجتمع كله فالأمم لا تبنى فقط بالاقتصاد والتكنولوجيا، بل ببناء الإنسان القادر على استخدام هذه التكنولوجيا دون أن يقع أسيرا لها.









