سادت توقعات واسعة خاصة بين المهتمين بالشأن الاقتصادى بأن تأتى تقييمات موديز متحفظة تجاه الاقتصاد المصرى فى ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من توترات وصراعات متصاعدة ، غير أن الإبقاء على النظرة الإيجابية جاء على عكس تلك التقديرات ليعكس رسالة واضحة بأن مسار الدولة الاقتصادى يسير وفق اتجاه منضبط ومدروس ويؤكد أن الإصلاحات الجارية استطاعت أن تفرض نفسها على مؤسسات التقييم الدولية رغم تعقيدات المشهد الإقليمى . وكونه تقييمًا ائتمانيًا تقليديًا إذ يعكس قراءة دولية دقيقة لمسار دولة تتحرك وسط بيئة إقليمية مشتعلة واقتصاد عالمى مضطرب فى توقيت تتعرض فيه اقتصادات عديدة لاختبارات قاسية يظهر هذا القرار كإشارة ثقة فى قدرة مصر على الحفاظ على توازنها المالى والنقدى رغم تعدد الضغوط. هذا التقييم يرتكز على قناعة بأن التحسن الذى تحقق فى المؤشرات المالية والخارجية ليس طارئا كما هو معتقد ولكن نتيجة مسار إصلاحى ممتد تدعمه سياسات حكومية تسعى إلى إعادة ضبط هيكل الاقتصاد وتعزيز مرونته، تلك النظرة الإيجابية هنا تعكس تقديرًا لقدرة الدولة على الاستمرار فى إدارة التزاماتها التمويلية وتحمل أعباء الدين ضمن نطاق يمكن السيطرة عليه فى ظل التزام واضح بالإصلاحات الاقتصادية.
أحب التطرق فى مقالى إلى أن البيئة الدولية الحالية تفرض تحديات معقدة تشمل ارتفاع تكلفة الاقتراض عالميا وتذبذب تدفقات الاستثمار واستمرار الضغوط التضخمية ، وبما أن الحرب الدائرة فى المنطقة ألقت بظلالها على حركة التجارة وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وهو ما ينعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصادات الناشئة . ورغم كل ذلك فإن استمرار النظرة الإيجابية يعكس إدراكا بأن أدوات إدارة الأزمة داخل الدولة أصبحت أكثر نضجا وقدرة على التعامل مع الصدمات ، ولاحظنا جميعا بأن السياسات الاقتصادية المتبعة خلال الفترة الأخيرة عززت من قدرة الاقتصاد على امتصاص الضغوط من خلال ضبط الإنفاق العام وتوسيع قاعدة مشاركة القطاع الخاص وتبنى قدر أعلى من المرونة فى إدارة سعر الصرف.. كل هذه العوامل مجتمعة تمنح الاقتصاد مساحة للتحرك فى مواجهة التقلبات وتحد من احتمالات التعثر الحاد فى ظل الأزمات المتلاحقة ، وفيما يتعلق بالتداعيات المرتبطة بالحرب الإقليمية والتى تظل قائمة خاصة فى ما يتعلق بمصادر النقد الأجنبى وحركة الاستثمارات وتكلفة الواردات وهى عناصر تمثل نقاط ضغط قوية ومستمرة. وعلى الرغم من ذلك فإن الإشارات الصادرة عن مؤسسات التصنيف الدولية تعكس ثقة فى قدرة مصر على إدارة هذه التحديات ضمن إطار محسوب ودقيق يستند إلى توازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادى وضرورات الإصلاح.. والرسالة الأهم فى هذا السياق تتجه نحو المستثمرين حيث يعزز هذا التقييم من صورة الاقتصاد المصرى كبيئة آمنة لا تزال قادرة على جذب الفرص رغم تعقيد المشهد نظرا لما يمر به الشرق الأوسط . وهنا أؤكد على أن هذه الثقة قد تنعكس فى استقرار نسبى فى تدفقات رءوس الأموال وتحسن شروط التمويل وهو ما يمثل عنصر دعم مهما فى المرحلة الحالية، وفى المجمل يمثل الإبقاء على النظرة الإيجابية نقطة ارتكاز جديدة فى مسار الاقتصاد المصرى تعكس ما تحقق من تقدم وتضع فى الوقت ذاته مسئولية كبيرة ومضاعفة للحفاظ على هذا المسار وتعزيزه. بينما يعتبر التحدى الحقيقى يتمثل فى تحويل هذه الثقة الدولية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع بما يدعم الاستقرار الاقتصادى ويعزز من قدرة الدولة المصرية على مواجهة المتغيرات المتسارعة فى محيط إقليمى ودولى لا يعرف الثبات ولا الاستقرار فى الوقت الراهن.









