الدراما أهم وأخطر من كل مصادر التعليم والتنوير، لأنها تصل إلى المتلقى بصورة مرئية مباشرة، وتأثيرها كالسحر، وروادها يمتلكون التنوع بين المثقف والجاهل والأمى والمتعلم، وتتلقاها كل البيئات، وهنا تأتى أهميتها وخطورتها على كل الأصعدة الداخلية والخارجية. ونجاح الدراما مرهون بتفاعلها وتلامسها مع الواقع بكل تفاصيله وتداعياته.
ودراما هذا العام لامست الواقع بتميز ونجاح مثل «صحاب الأرض» بطرحه بصورة واقعية ووثائقية للقضية الفلسطينية، وتحديدًا أهلنا فى غزة وما تتعرض له من دمار، وكذلك مسلسل «أب ولكن» الذى طرح مشاكل وإشكاليات قوانين الأسرة الظالمة جدًا للأب والمتر سمير، وغيرها من هذه النوعية.
وبعيدًا عن المستوى كثقافة وتقنيات نصل إلى القضية الأهم، فالدراما بكل عناصرها تحتاج إلى الموهبة والدراسة فى كل تفاصيل العملية الإبداعية. وكما أسلفت، فالدراما بجانب الثقافة تحتاج إلى الدراسة والعلم، فالدراما ثقافة وعلم، والعلم هنا يتمحور حول دراسة التقنيات، بداية من المؤلف والمخرج والممثل رجلًا أو امرأة بمختلف أعمارهم، وصولًا لباقى العناصر من هندسة مناظر إلى مصممى الإضاءة وجغرافية المشاهد وحركة الكاميرات، ثم الممثل وهو أخطر عنصر، فهو الذى يوصل للمتلقى كل التفاصيل للشكل والمضمون.
والبداية تأتى من عند المؤلف الذى يحتاج إلى الثقافة الموسوعية، وأن يكون ملمًا بكل تفاصيل الحياة وحركة الأحداث العالمية والمحلية، وأن يكون ذا معرفة بالتقنيات وحرفية الكتابة، وأن يكون ـ وهذا هو الأهم ـ صاحب فكر خاص وصاحب قضية، وليس حشو مشاهد وأفكار من الغير. ثم المخرج بنفس صفات المؤلف، أن يكون صاحب رؤية فكرية وصاحب رؤية تشكيلية ومرئية وأسلوب أداء خاص جدًا به.
وبالعودة إلى التمثيل أيضًا، فمن الحتمى أن يكون الممثل مثقفًا حتى يستطيع فهم رسالة ما يقدم، على عكس الحاصل حيث نجد بعض الممثلين الذين ينتقلون بين الاستوديوهات واللوكيشنات فى أكثر من عمل فى وقت واحد دون التركيز فيما يقدمه من أعمال. ونضيف لهذا هندسة المناظر والصوت والإضاءة، وهى تحتاج إلى دراسة التقنيات وقدر من الثقافة.
أتعمد عدم ذكر أسماء أعمال أو ذكر أسماء أشخاص، وأكتفى بحتمية دراسة الظاهرة السنوية فيما يُطرح من أعمال حتى لا تتكرر المشابهات من أعمال أخرى، وحتى لا يقول المتلقى مثلًا ـ: «أنا شفت الأحداث فى مسلسل كذا أو فى الفيلم الفلاني». وهناك من يتكلم عن السرقات والسطو على أفكار الآخرين، وحتى نتجاوز هذه المشينات وهذه الأخطاء لابد من تفعيل دور الرقابة ولجان الفحص ولجان التقييم.
ثم نأتى إلى نقطة مهمة وهى ماهية البطل خاصة، والبطل الشعبى خاصة. وأكتفى بالقول حول البطل الشعبى إن ما يُعرض لا يمثله، فالبطل الشعبى هو النابض بالواقعية، إما التاريخية أو المستلهم من الواقع وبطولاته. أما بطل العمل فينبغى البعد عن النرجسية والأنانية، وهذا واضح فى بعض عناوين المسلسلات دون ذكر أسماء.
وهنا أدعو إلى حتمية العودة للمسلسل الاجتماعي، وأن تكون القضية الاجتماعية المطروحة هى البطل وليس اسم الممثل أو النجم، حتى تصل الرسالة ويكون الحديث والنقاش حول العمل وليس حول الممثل أو الممثلة، وأن يأتى هذا فى سياق الكتابة، ولا يكون لصالح بطل العمل على حساب الشخصيات الدرامية الأخري، فيصبح كل الممثلين فى خدمة النجم وليس فى خدمة العمل والقضية المعالجة المطروحة.
ونأتى لمضمون المقال كما جاء فى عنوانه: الدراما ثقافة وتقنيات، أى علم ودراسة، فالمبدع المتعلم المثقف الموسوعى أفضل من المبدع محدود القيمة بلا علم وبلا ثقافة، ومن يرى بعض الأعمال يدرك هذا المرض. ولكى نجبر المبدع على التعلم والقراءة والثقافة نفعل دور اللجان النوعية المتخصصة التى توافق أو تختار الأعمال لمنحها صكوك العرض على الجمهور.
ونؤكد ختامًا: الدراما ثقافة وتقنيات…









