فى الأزمنة المضطربة تختلط العلامات، وتضيع الفواصل بين الأشياء، حتى يصبح التمييز بين الأبيض والأسود عملاً يحتاج إلى قدر كبير من اليقظة والبصيرة. ولعل التعبير القرآنى البليغ «إنَّ البقر تشابه علينا» يلخص هذه الحالة بدقة مدهشة؛ حين تتشابه الصور وتتداخل المشاهد، فيظن البعض أن الحقيقة قد ضاعت، أو أن الطريق إلى الصواب لم يعد واضحًا. غير أن الحقيقة – مهما تشابهت الوجوه – تظل لها ملامح لا تخطئها عين واعية.
>>>
لقد اختلط الحابل بالنابل فى زمننا هذا اختلاطًا غير مسبوق، وصارت الأمور بالفعل حيص بيص؛ فالمخلص يقف أحيانًا فى المشهد ذاته مع الخائن، والمتعفف يجاور المتسول، وصاحب القضية الحقيقية يزاحمه من يتاجر بالقضايا. إنها حالة من السيولة الأخلاقية والفكرية، سيولة عفنة تجعل المشهد العام يبدو كأنه لوحة مشوشة لا يعرف الناظر إليها أين يبدأ وأين ينتهى.
>>>
فى هذا المناخ المضطرب يخرج علينا بعض من باعوا كل شيء: باعوا ضمائرهم، باعوا تاريخهم، بل وباعوا أوطانهم بدراهم معدودة. وهناك من باع كرامته وسمعته مقابل حفنة دولارات مسمومة، تُلقى إليه من وراء البحار، فيتصور أنه بذلك قد صار صاحب قضية أو حامل راية، بينما الحقيقة أنه لم يصبح سوى أداة فى يد من يدفع.
>>>
المؤلم فى الأمر ليس وجود هؤلاء فحسب؛ فالتاريخ عرف دائمًا من يبيع ومن يخون. الجديد فى المشهد أن الوقاحة بلغت حدًا غير مسبوق؛ إذ يظهر هؤلاء فى المشهد العام وكأنهم لم يقترفوا جريمة، ويتحدثون عن الوطنية وكأنهم حراسها، ويعطون الدروس فى الأخلاق وكأن صفحات تاريخهم ناصعة البياض.
>>>
لكن ما يجهله هؤلاء أن الشعوب ليست بهذه السذاجة التى يتخيلونها. المواطن المصرى – على سبيل المثال – يمتلك حاسة فطرية تميّز بين الصدق والزيف، بين من يعمل فى صمت من أجل وطنه، ومن يتاجر باسم الوطن. قد تختلط الصور لبعض الوقت، وقد تتشابه الوجوه، لكن الزمن كفيل بأن يفرز الصفوف ويعيد ترتيب المشهد.
>>>
فالتاريخ لا يحتفظ فى صفحاته بالضجيج، بل يحتفظ بالأثر. ولا يخلد الكلمات الصاخبة، بل يخلد المواقف الحقيقية. ولذلك فإن كل من ظن أن بإمكانه خداع الناس إلى الأبد، إنما يخدع نفسه أولاً.
>>>
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود الخائن وحده، بل محاولة الخائن أن يتقمص ثوب المخلص، وأن يقف فى الصف ذاته مع الشرفاء. هنا يصبح الخطر مضاعفًا، لأن المعركة لم تعد فقط بين الحق والباطل، بل بين الحقيقة والزيف المتنكر فى هيئة الحقيقة.
>>>
ومع ذلك، يبقى الاطمئنان قائمًا. فالمجتمعات الحية تمتلك دائمًا قدرة مذهلة على الفرز والتصحيح. قد يستغرق الأمر وقتًا، لكن الغث لا يمكن أن يبقى مختلطًا بالسمين إلى الأبد، كما لا يمكن أن يستوى المتوضئ بحامل الجنابة، ولا أن يتساوى من يبنى الأوطان بمن يبيعها.
>>>
ولهذا فإن المشهد – مهما بدا ملتبسًا – ليس ميئوسًا منه. فحين تهدأ العاصفة، وحين ينقشع غبار الضجيج، سيكتشف الجميع أن الحقيقة كانت واضحة منذ البداية، وأن كل الوجوه التى حاولت أن تتخفى خلف الأقنعة لم تفعل سوى تأجيل لحظة انكشافها.
>>>
وعندها فقط لن يعود هناك من يقول: «إن البقر تشابه علينا».
بل سيعرف الناس جيدًا أيُّ بقرٍ كان المقصود، وأيُّ طريقٍ كان يجب أن يُتبع منذ البداية.









