ما يُتداول على السوشيال ميديا لم يعد مجرد نقلٍ للأحداث، بل أصبح في أحيان كثيرة إعادة إنتاج مكثف ومبالغ فيه للوقائع، يحوّل الحدث الفردي إلى مشهد جماعي متكرر يُعاد بثه وتداوله بلا توقف.
وفي هذا السياق، برزت وقائع حديثة، من بينها حادثة سيدة الإسكندرية، إلى جانب عدد من الحالات الأخرى المرتبطة بالعنف ضد المرأة وبعض الجرائم الأسرية، باعتبارها نماذج لكيفية تحوّل بعض المنصات إلى مساحة لإعادة تشكيل الألم بصورة جماعية تُحدث صدمة واسعة.
الإشكالية لا تتوقف عند نقل الخبر، بل تمتد إلى طريقة عرضه وتداوله، حيث قد يتحول الإفراط في النشر وإعادة التدوير إلى ضغط نفسي جماعي، يغذي مشاعر الإحباط واليأس، ويخلق حالة من التشوش بين التعاطف الإنساني والاستهلاك الإعلامي للمأساة.
وفي هذا السياق، تصبح المرأة في كثير من هذه الوقائع في قلب المشهد، ليس فقط كطرف في الحدث، بل كرمز يُستدعى داخل سردية أوسع تعيد تشكيل صورة المجتمع في الوعي العام، بين الواقع وما يتم تضخيمه وتكراره حتى يبدو وكأنه القاعدة لا الاستثناء.
لم يعد تهديد استقرار المجتمعات مرتبطًا فقط بالحروب التقليدية، بل ظهرت جبهات أكثر تعقيدًا تُدار في الفضاء الرقمي، تستهدف الوعي والإدراك مباشرة. وفي قلب هذه المعركة، تقف السوشيال ميديا كأداة مزدوجة: يمكن أن تكون وسيلة للوعي والبناء، أو منصة لإعادة إنتاج الفوضى النفسية والاجتماعية.
فيما نشهده بمجتمعنا، يبرز نمط متكرر يتمثل في تضخيم قضايا تمس الحياة الخاصة للمواطنين، وتحويل وقائع فردية إلى مشاهد عامة تُعطي انطباعًا غير دقيق عن طبيعة المجتمع. هذا النمط يرتبط بما يمكن وصفه بحروب الإدراك، حيث يتم إعادة تشكيل الصورة الذهنية عبر الانتقاء والتركيز على حالات محدودة إحصائيًا، ثم تقديمها كأنها واقع عام.
وهنا يحدث انفصال بين الواقع الفعلي والواقع المُدرك، إذ تتحول الوقائع الفردية عبر التكرار والتداول العاطفي إلى “حقيقة ذهنية” راسخة لدى المتلقي.
يتجلى أحد أخطر أبعاد هذه الظاهرة في طريقة تقديم صورة المرأة داخل المحتوى المتداول، عبر التركيز عليها كضحية دائمة أو رمز للضعف، مع تجاهل السياقات الاجتماعية والإنسانية الأوسع. كما يتم أحيانًا تداول مشاهد أو صور دون مراعاة للخصوصية أو الأثر النفسي.
وفي هذا الإطار، لا تقف الإشارة عند حادثة سيدة الإسكندرية فحسب، بل تمتد إلى عدد من الوقائع المؤلمة المرتبطة بالعنف ضد المرأة وبعض الجرائم الأسرية التي تطال الفئات الأكثر هشاشة، ويتم تناولها أحيانًا بصورة انتقائية ومكثفة دون سياق تحليلي متوازن. وهو ما يضاعف أثرها النفسي والاجتماعي، ويحوّلها من حالات فردية إلى حالة ذهنية عامة.
هذا الطرح لا ينعكس فقط على الأفراد، بل يمتد إلى تشكيل الصورة الذهنية للمجتمع، ويؤثر على أحد أهم أعمدته وهو تماسك الأسرة. وفي المقابل، يتم تهميش النماذج الإيجابية والناجحة رغم حضورها الواقعي، لصالح خطاب يضخم الأزمات ويضعف الثقة المجتمعية.
التعرض المستمر للمحتوى الصادم يؤدي تدريجيًا إلى نتائج نفسية مركبة، تبدأ بتزايد القلق والخوف، وقد تنتهي إلى حالة من التبلّد وفقدان الحساسية تجاه الألم الإنساني. وفي كلتا الحالتين تتأثر البنية النفسية العامة للمجتمع.
كما أن تداول المحتوى الحساس دون ضوابط مهنية قد يؤدي إلى آثار غير مقصودة، من بينها نشر الذعر أو التأثير السلبي على الفئات الأكثر هشاشة، بما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي بشكل غير مباشر.
لا يمكن تجاهل أن بعض أنماط المحتوى قد تندرج ضمن استراتيجيات تأثير غير مباشر، تُستخدم فيها المنصات الرقمية لإعادة تشكيل الإدراك الجمعي. ويتم ذلك عبر التركيز على النماذج السلبية، وتهميش النماذج الإيجابية، بما يخلق حالة من التشويش والإحباط العام.
وفي هذا السياق، يصبح إعادة النشر دون تحقق أو توازن عنصرًا فاعلًا في تشكيل وعي مضطرب، حتى وإن كانت بعض الوقائع حقيقية في أصلها.
لا يعني ذلك تجاهل المشكلات أو التستر عليها، بل يتطلب التعامل معها بوعي ومسؤولية، من خلال تقديمها في سياقها الصحيح، واحترام الخصوصية، والتمييز بين التوعية والإثارة.
فالمعيار ليس في نشر الحدث، بل في طريقة عرضه وتأثيره: هل يساهم في الفهم والإصلاح أم في التهويل وصناعة القلق؟
في مواجهة هذه التحديات، يبرز دور الإعلام المهني كخط دفاع أساسي عن وعي المجتمع، عبر تقديم محتوى متوازن وتحليل الأحداث بدلًا من إعادة تدويرها فقط، مع إبراز النماذج الإيجابية التي تعكس الواقع الكامل.
كما تبرز الحاجة إلى أطر قانونية أكثر حزمًا لضبط تداول المحتوى الذي ينتهك الخصوصية أو يستغل المعاناة الإنسانية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي كعنصر حاسم في حماية الإدراك العام.
في النهاية، لم تعد خطورة السوشيال ميديا في كونها منصة لنقل الأخبار فقط، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الإدراك الجمعي إذا غاب الوعي وتراجع الضبط المهني. فالمجتمعات لا تُستهدف دائمًا من الخارج، بل قد تُستنزف من الداخل عبر تكرار صورة مشوهة عن نفسها حتى تبدو وكأنها الحقيقة الوحيدة.
ومن هنا تصبح المسؤولية مضاعفة: إعلام واعٍ، وتشريعات حازمة، ووعي مجتمعي قادر على التمييز بين التوعية والإثارة، وبين الحقيقة وصناعتها. فالمعركة اليوم لم تعد على المعلومات… بل على الوعي نفسه.









