أكد البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية أن العالم الذى نعيشه اليوم فى أمس الحاجة إلى الأمل والرجاء.. وأن القيامة رسالة أمل ورجاء.
أضاف خلال الرسالة البابوية بمناسبة عيد القيامة أن الصراعات التى يشهدها العالم تدمر شعوبًا وأممًا، وتؤثر على حياة الأفراد والجماعات، وعلى كل بيت فى كل مكان فى العالم، فلذلك مع قيامة السيد المسيح نبحث عما ينقصنا، العالم ينقصه اليوم «الرجاء».. كيف يكون عند الإنسان رجاء؟ كيف يكون عند الإنسان أملٌ فى هذه الحياة التى تمتلئ بالأخبار المزعجة فى كل صباح، وفى كل مساء؟ ولذلك نحن نبحث عن هذا الرجاء فى قيامة السيد المسيح، ونعتبر أن القيامة هى رسالة رجاء لكل إنسان فينا، لكل إنسان يتمتع بالايمان.
أضاف البابا: عندما نبحث عن هذا الرجاء، سنجد ثلاثة أبعاد تشرح لنا كيف نتعامل مع هذا الرجاء الموجود فى قيامة السيد المسيح.
أولا: نحن مدعون أن نحمل الرجاء.. أى يكون الإنسان حاملاً للرجاء فى كلامه، فى حياته، فى ألفاظه، فى رؤيته، فى تفكيره، فى مشاعره.. يحمل الرجاء عندما ينظر إلى المسيح القائم، يرى رسالة رجاء قوية إذ أن العالم ما زال مضبوطًا فى يد الله.. عندما قام السيد المسيح فى فجر يوم الأحد، كانت النسوة حاملات الطيب فى طريقهن إلى القبر مبكرًا جدًا.. وكان يشغلهن من يرفع الحجر.. يشغلهن هذا السؤال.. وكأنهن كن يسألن، هل يوجد رجاءٌ فى هذا الميت الذى مات؟ الذى صُلب منذ ثلاثة أيام؟ هل يوجد رجاء؟ ولذلك حينما ظهر الملاك لهؤلاء النسوة، قال لهن: إذهبن سريعًا وأخبرن وقلن لتلاميذه »متى 28: 7«.. فصرن حاملات لرسالة الرجاء القوية.. وهذه الرسالة حولت النسوة من خائفاتٍ إلى كارزاتٍ يحملن خبر القيامة للتلاميذ، ويحملن خبر القيامة لنا نحن أيضًا.
البعد الثانى: إنه ليس فقط أن يكون الشخص حاملاً للرجاء، بل أن يكون أيضًا صانعًا للرجاء.. يصنع الرجاء فى نفوس الآخرين.. ممكن بكلمة تشجيع، ممكن بعمل محبة، ممكن بزيارة، ممكن بمكالمة، ازرع الرجاء. اجعل كلامك كله مرتبطًا بالرجاء.. بالأمل فى الحياة. تلميذا عمواس كانا يسيران فى الطريق ومتجهين إلى قرية عمواس.. وهى قرية بعيدة قليلاً عن أورشليم.. وهما فى الطريق، إذا بمسافرٍ يظهر معهما، ويبدأ يتكلم معهما، وكانا يفتكران أنه شخصٌ غريب.. ويتكلمان وهما لا يعرفانه.. كل كلامهما كان عبارة عن علامات استفهام.. ما هذا الذى قد حدث؟ ما هذه الأخبار التى تُقال؟ فالتلاميذ يقولون إن الذى صُلب قد قام! أخبارٌ متضاربة كانت تصل إلى جميعهم، ولكن عندما اقترب إليهما هذا المسافر الغريب، وتكلم معهما، وبدأ يشعران بخاطر فى قلبيهما، ولم يمكنهما تفسيره بعد، ولكن لما اقتربوا للمكان وبدأ هو يكسر الخبز، انفتحت أعينهما، وقالا ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا؟ »لوقا 24: 32«. شعرا بخاطرٍ ما فى قلبيهما، فكأن المسيح «هذا المسافر الغريب» زرع فيهما هذا الرجاء، صنع فى حياتهما هذا الرجاء.. وأنت أيها الحبيب اصنع رجاءً فى أسرتك، مع زوجتك، مع زوجكِ، مع أولادكم، مع بناتكم.. وأنت أيها الخادم، مع كل فصول الخدمة بمستوياتها.. وأنت أيها الكاهن، وأنت تخدم، وأنت تعظ، وأنت تزور بيتًا، وأنت تفتقد، اصنع الرجاء. لا تشترك فى خطايا الآخرين الذين كلامهم كله مرتبط بالمشاكل والمتاعب والحروب والأخبار.
إذًا أولاً: كن حاملاً للرجاء، كن رسالة رجاء. وثانياً: كن صانعًا للرجاء.. وثالثاً: كن كارزا بالرجاء.
فالكرازة فى أساسها هى نقل رسالة الفرح وقيامة المسيح.. وكلمة إنجيل معناها بشارة مفرحة، معناها خبر مفرح.. أو كما نقول بالإنجليزية Good News، هى أخبارٌ سارة بعد ما تحمل الرجاء من خلال قيامة المسيح.. فبعد أن تصنع رجاء فى الآخرين الذين فى دائرة حياتك، كن كارزا بالرجاء لكل أحد فى العالم كله.. التلاميذ كانوا خائفين جدًا، وكانت العلية مغلقة، مقفولة، كأنها مقفولة بترباس «مزلاج»، أو مقفولة بشدة، وكان الخوف يملأهم، ولكن عندما ظهر المسيح فى وسطهم، وقال لهم: «سلام لكم».. «ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب» كما نقرأ فى إنجيل »يوحنا 20: 20«.. وكانت هذه الصورة هى صورة جميلة، إن التلاميذ الذين كانوا خائفين ومرعوبين بعد الصليب، بعد أن يظهر لهم المسيح ويعطيهم رسالة السلام، ينالون هذا السلام وينقلون الفرح والرجاء.. ينقلوه لكل العالم، ويصيرون كارزين لكل العالم.. يقول لهم المسيح اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها.. واصبحوا يصنعون الرجاء. التلاميذ عندما انطلقوا من أورشليم بعد حلول الروح القدس عليهم، وبعد صعود السيد المسيح صاروا كارزين. وهذه الكرازة هى تقديم المسيح القائم لكل أحد، المسيح المخلص لكل خطية أى إنسان، المسيح الفادى الذى يفدى الإنسان، دمه يطهر كل خطية فى حياة الإنسان.
الخلاصة أيها الأحباء، وأنت تحتفل بعيد القيامة، من فضلك، كن حاملاً هذا الرجاء، وكن صانعًا لهذا الرجاء، وكن كارزًا بهذا الرجاء فى حياتك، وليصبح هذا نمط حياتك كلها على الدوام.. فرحة القيامة.
نصلى من أجل الجميع، فى كل مكان، أن يفرحوا بقيامة السيد المسيح، ليس على مستوى الخبر، ولكن على مستوى الحياة وعلى مستوى المعايشة.. وكما نصلى فى التسبحة كل يوم، فى أول عبارة نصليها نقول: «قوموا يا بنى النور لنسبح رب القوات».. بنو النور هم بنو القيامة.









