منذ سبعينيات القرن العشرين، والعمل يسير وفق خطة لهندسة المستقبل يتم من خلالها سرقة الناس من الشارع أو العكس! كيف غادر معظم الناس خاصة الشباب أرض الحياة بحيويتها المتدفقة في الشارع حيث متعة الخروج والتجوال والانفتاح المباشر على الآخر، ومصافحة هذا الكم من الوجوه الجديدة التي تترك انطباعاتها أياً كانت عند العودة إلى البيوت.
وفي المقابل كيف تم تقييدهم بالجلوس أمام شاشة كبرت أم صغرت في مكان منزوي أو ركن منعزل لمطالعة هذا العالم الافتراضي عبر شبكات التواصل الاجتماعي، هذا العالم الذي يغلب عليه المبالغة في الوعود، والكذب في الأغراض والاحتيال في القيم.
كيف أحكم تطبيق الخطة، وما هي دعاويها المعلنة، وماذا يتم في الخفاء؟ قدم “وادي السيليكون” الواقع في المنطقة الجنوبية من خليج سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة أوراق اعتماده للعالم بصفته القائم بأعمال التكنولوجيا الفائقة أو الرمز العالمي للابتكار والتفوق الأمريكي من خلال أشباه الموصلات (رقائق السيليكون) والحوسبة والذكاء الاصطناعي.
كان الشعار المرفوع مزيداً من الحرية والانفتاح والاستقلال من أجل أكبر قدر من التواصل والفائدة.
لم تعد المؤسسات القديمة المسؤولة عن إدارة الأمور الإنسانية هي المسيطرة، كما لم يعد الشارع المكان الأكثر حرية وتواصلاً واستمتاعاً كما أصبح رواد الأعمال يعرفون مصلحة الناس أو المصلحة العامة أكثر من الناس أنفسهم.
لم يكن التعامل التجاري من خلال الإنترنت منذ بدايته في السنوات الأولى من تسعينيات القرن العشرين إلا عملية سطو مثيرة على الشارع الذي يمثل بهجة البحث والفرجة على المعروضات حتى لو في نطاق محدود.
انفتح الخيال على مصراعيه ورغبات لا نهائية، وانكمش الشارع متوارياً خلف أحداث مروعة تصنع “تريندات” على المنصات الإلكترونية. وبعد أن كان الشارع فاعلاً في حياة الناس أصبح مفعولاً به ومشهراً به عبر المنصات.
لم يعد الشارع آمناً ومن ثم اللجوء إلى شاشة تجعلك في يد أمينة تدير حياتك الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على وجه السرعة والكفاءة- ليس بالضرورة الجودة- تم استلام الفرد – العميل على الشاشة، ومن خلال الشبكات والخدمات الرقمية يمكن معالجة كل الأزمات بعيداً عن فكرة الجماعة التي عرفها القرن العشرين من الأسرة إلى النقابة والحزب، حيث يكون الفرد قادراً على الإبداع والفعل.
وداعاً للتنظيم الجماعي والروابط الاجتماعية، والاهتمامات الإنسانية المشتركة، أهلاً بتطبيقات “الموبايل” والشبكة والمنصة.
كيف يتم الربط بين مفهوم جديد للحرية ورأس المال والتكنولوجيا فائقة السرعة والإنجاز؟ هل كانت مصادفة أن تنتهي الحرب الباردة بانتصار أمريكا مع العودة القوية لرأس المال، وبداية السيادة للشبكات الإلكترونية؟ هل انتهى عصر الشارع بحضوره الشعبي الفاعل، والمؤسسات بقدرتها على التنظيم والإدارة، ليصل إلى عصر الفرد الذي قرر أن يستبدل الشارع والمؤسسة بالشاشة لإنجاز مصالحة وإدارة أمر حياته.









