لا أستبعد أن يتسبب اتفاق الوقف المؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران فى توتر مستقبلى بين الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، فقد شن الرجلان معا الحرب على إيران، صحيح أنهما اختلفا فى بعض التفاصيل، ولم تكن أهدافهما فى هذه الحرب متطابقة تماما، وإن كانت متفقة فى معظمها، لكن السؤال الذى يطرح نفسه: ماذا سيحدث إذا ما انتهت هذه الحرب برغبة أمريكية على طريقة الانتقال من حرب تغيير النظام فى إيران وهو الهدف الإسرائيلى الأول إلى سلام تفاوضى معها بحسب موافقة الرئيس ترامب على ذلك؟، إلى أى مدى ستؤدى هذه النتيجة إلى شرخ جوهرى فى العلاقة بين ترامب ونتنياهو، خاصة أن لكل منهما مصالحه السياسية المستقبلية والتى ربما تتأثر ببعضها أو تتشابك أحيانا.
فى تصورى أن الرئيس الأمريكى أدرك – ولو سرا أو بينه و بين نفسه- أنه جُر إلى هذه الحرب من قبل نتنياهو الذى هندس قرار ترامب بشن الحرب على إيران، ففى 11 فبراير الماضى قدم نتنياهو ومدير الموساد ديفيد بارنيا عرضاً فى غرفة العمليات بالبيت الأبيض، وعدا فيه بتدمير القدرات النووية الإيرانية وإسقاط النظام، ونجح نتنياهو وبارنيا فى إقناع ترامب بأن إيران أضعف من أن تفرض حصاراً على مضيق هرمز، وهو تقييم ثبت خطأه لاحقا على الأرض عندما حاصرت إيران الممر المائى الحيوى للاقتصاد العالمي، وهو ما تسبب فى صدمة اقتصادية عانى منها معظم دول العالم وانعكس ذلك على الداخل الأمريكى وتأكد وفقا للميدان أيضا أن نتنياهو خدع ترامب فى المعلومات والتقديرات حتى وإن نفى نتنياهو ذلك كثيرا، ولكن مع الأيام الأولى للحرب لم يكن أمام ترامب سوى المضى قدما فى المسار الذى حدده نتنياهو أو بالأحرى فرضه على ترامب و فى هذه الأثناء كان مجتمع الاستخبارات الأمريكى يشكك فى هذا المسار حيث وصف مدير وكالة الاستخبارات المركزية «سى آى إيه» جون راتكليف، الخطة الإسرائيلية لتغيير النظام الإيرانى بأنها «هزلية» حتى وإن كان إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية أمراً ممكناً.
بناء على هذا الإدراك السرى لدى ترامب؛ فقد أخذ مؤخرا فى تدارك الأمر بطريقته لاسيما بعد اشتداد الغضب الأمريكى الداخلى وقلق ترامب على موقف حزبه فى الانتخابات النصفية فى نوفمبر، وبدأ ترامب فى التمهيد للانسحاب من هذه الحرب بالترويج للانتصار الساحق «الماحق» على طريقته ثم ما انفك يتحدث عن التفاوض ووجد فى مسار باكستان الأخير فرصة للخروج وأعلن موافقته على هدنة الأسبوعين وأتصور أنها ستكون بداية النهاية لهذه الحرب وفى خضم ذلك يترقب نتنياهو بقلق وعدم رضا ماذا سيفعل حال انتهت الحرب من دون تغيير النظام الإيرانى بموافقة أمريكية.
ترامب رجل صفقات يتطلع الآن إلى نصر دبلوماسى يمكنه تسويقه للجمهور الأمريكى قبل الانتخابات النصفية المقبلة، بينما يركز نتنياهو على ضمان ألا تتجاهل أى تسوية دائمة المصالح الأمنية الجوهرية لإسرائيل، وفى مقدمتها تغيير النظام الإيرانى وتفكيك برنامجه للصواريخ ووقف دعم إيران لحلفائها فى المنطقة مثل حزب الله فى لبنان؛ لذا سارع نتنياهو بعد ساعات من بدء مهلة الأسبوعين بشن غارات غير مسبوقة على لبنان راح ضحيتها المئات متذرعا بأن هناك فصلاً بين الساحتين فى اتفاق الأسبوعين فى حين إيران تتمسك بربط الجبهتين فى شروطها العشرة التى أرسلتها لترامب عبر باكستان ومن ثم لا يمكن إغفال أن التصعيد الإسرائيلى فى لبنان هدفه الأساسى إفشال هذه الهدنة حتى لا تتم تسوية مع إيران ويبقى النظام فيها وأعتقد أن الرئيس ترامب فهم ذلك، لكن ماذا سيحدث؟ هذا ما سنراه.
من جانب آخر سرعت الحرب المشتركة على إيران من حدوث تحول فى العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتسببت فى حالة غضب لدى الوسط واليسار الأمريكى من سير بلادهم خلف إسرائيل بشكل مطلق، ومن نتائج ذلك تعهد الكثير من الديمقراطيين برفض التبرعات من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، مما يعكس انقساماً حزبياً متزايداً حول الدعم غير المشروط لإسرائيل.
الخلاصة أن وقف هذه الحرب التى أيدها الإسرائيليون بأغلبية ساحقة، بينما تضاءل دعمها كثيرا بين الأمريكيين، قد يدفع الرجلين «ترامب و نتنياهو» بعيداً عن بعضهما البعض، وأن العلاقة بين الرجلين قبل اندلاع هذه الحرب لن تكون هى نفسها بعد وقفها».









