مع بدء الهدوء الهش في الصراع بين إيران من جانب، والولايات المتحدة والكيان المحتل من جانب آخر، لم يعد ممكناً قراءة ما جرى باعتباره مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. ما تكشف على الأرض يتجاوز حدود الحرب، ليؤسس لعصر جديد تُدار فيه المعارك بل والدول عبر «الخوارزميات».
ففي قلب العمليات التي حملت أسماء مثل «الملحمة الغاضبة” و«زئير الأسد»، لم تكن الطائرات أو الصواريخ هي البطل الحقيقي، بل أنظمة الذكاء الاصطناعي التي أدارت «سلسلة قتل رقمية» متكاملة لقيادات الدول حتى الصف الثالث والرابع بشتى المجالات. برامج مثل «Project Maven» لم تكتفِ بتحليل صور الطائرات المسيّرة، بل تطورت لتصبح جزءًا من منظومة قيادة وسيطرة تربط كل مستشعر بكل سلاح، فيما لعبت منصات شركة Palantir Technologies دور “العقل الميداني” القادر على دمج البيانات الاستخبارية وتحويلها إلى قرارات فورية.
الأخطر من ذلك، هو الانتقال من “دعم القرار” إلى “صناعة القرار”. أنظمة مثل “Lavender” و“Gospel” و“Where’s Daddy?” لم تعد تكتفي بتحديد الأهداف، بل تُنشئ قوائم تصفية كاملة اعتمادًا على تحليل أنماط الحياة والاتصالات والتحركات، مانحة كل هدف “درجة خطورة” تُحدد مصيره خلال ثوانٍ. هنا، تتحول الحرب إلى عملية إنتاج صناعي، تتدفق فيها الأهداف كما تتدفق السلع على خطوط المصانع.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ دخلت نماذج لغوية متقدمة مثل “Claude AI” على خط العمليات، لتقوم بمهام تركيب المعلومات، ومحاكاة سيناريوهات الضربات، وحتى ترشيح الأهداف التي تحقق “أكبر انهيار هيكلي” بأقل تكلفة. إنها ببساطة حرب تُدار بالعقل الحسابي، لا بالعقل البشري.
هذه التحولات تفرض واقعًا جديدًا: الدول لم تعد تُهزم فقط في ميادين القتال، بل قد تنهار من الداخل إذا فقدت السيطرة على بياناتها وبنيتها الرقمية. “خوارزميات الاغتيال” لم تعد مجرد مفهوم نظري، بل أداة قادرة على شلّ الجيوش وإسقاط مراكز القرار قبل أن تُطلق طلقة واحدة.
من هنا، تبرز المسؤولية الكبرى على عاتق وزارة التعليم العالي في مصر، التي تشرف على ما يزيد عن ٩٠ كلية ومعهداً متخصصاً في الحاسب الآلي والذكاء الاصطناعي، ويزيد عدد طلابها على ١١٢ ألف طالب. هؤلاء ليسوا مجرد دارسين، بل يمثلون خط الدفاع الأول في معركة المستقبل. المطلوب لم يعد تطوير مناهج تقليدية، بل إطلاق مشروع وطني حقيقي لاكتشاف المبدعين واحتضان الموهوبين، وتحويل أفكارهم إلى تطبيقات ومنصات قادرة على تلبية احتياجاتنا التكنولوجية بدلاً من استيرادها من الخارج. فالأمن القومي لم يعد منفصلاً عن “السيادة الرقمية”، ولا يمكن لدولة أن تعتمد بالكامل على تطبيقات ومنصات أجنبية وأجهزة محمول مستوردة في إدارة بياناتها واتصالاتها.
كما أن المرحلة تفرض وجود آلية مراجعة سنوية واضحة لقياس حجم الإنجاز في هذا الملف، وعدد الابتكارات والمشروعات التي تم تحويلها إلى منتجات حقيقية. فالدول التي تستثمر في العقول، هي وحدها القادرة على الصمود في زمن تُدار فيه الحروب بالخوارزميات.
إن ما نشهده اليوم هو تحول جذري في مفهوم القوة.. ومن لا يمتلك أدوات هذا العصر، سيكون مجرد هدف داخل بنك بيانات خوارزمية.
●●●●●●●●●●●●●●●●●●●
وإذا كان تأمين السيادة الوطنية أصبح يبدأ من الخوارزميات.. فإن تأمين الجبهة الداخلية يبدأ من ضبط منظومة التعليم ما قبل الجامعي وإعطاء كل ذي حق حقه.. ولعل هذا هو أهم ما يميز وزير التربية والتعليم محمد عبد اللطيف، الذي يتميز بقدراته الإدارية الواضحة التي اكتسبها بعيداً عن كواليس الروتين الحكومي، وبمؤسسات خاصة تعتمد على الكفاءة والبعد عن البيروقراطية.
ورغم صواب قراره بشأن تنظيم سداد رسوم المدارس الدولية داخل الوزارة، فإن التطبيق العملي يواجه تحديات تنفيذية، في ظل تحكم إدارات المدارس في نسب مؤثرة من تقييم الطلاب “GPA”، ما يضع أولياء الأمور تحت ضغط مباشر.. وبيزنس الإدارات التي لا تريد التنازل عن أرباحها غير المشروعة.
من هنا تبرز الحاجة إلى رقابة صارمة على سداد المصروفات، عبر آليات منظمة تشبه التعاملات البنكية من حيث الشفافية والتوثيق، وهو ما ننتظر أن تعالجه اللائحة الجديدة لضمان الانضباط وحماية حقوق جميع الأطراف، سواء في ٨٥٠٠ مدرسة خاصة ودولية.









