بحقّ السماء، ماذا يعنى الوطن لدى هؤلاء الذين يعرضونه فى أول قاعة تداول؟ وبحقّ السماء، أين تقف الخطوط الفاصلة بين الرأى والعِمالة والارتزاق؟ وما قيمة المنطق داخل مستشفى المجانين؟!
>>>
لعن الله الجيوب التى أذلّت أعناق أشباه الرجال وأنصاف المفكّرين، أولئك الذين يحاولون القفز على كرامة الوطن انتصارًا لجيوبهم وبطونهم وكروشهم. لعن الله كلَّ من رأى الحق فانحاز إلى الباطل، وكلَّ من عرف طريق الهداية فاختار الضلالة.
>>>
يا قارئى العزيز، نحن نعيش لحظة أصبح فيها إعمال العقل نوعًا من الجنون. ترى أحد الكُتّاب الكبار، المثقفّين الفحول، يركب «مرجيحة» المصالح الرخيصة، متقلّبًا بين اليمين واليسار، ممسكًا بحبال المنفعة؛ فهى بوصلته الوحيدة، وهى طريقه الوحيد.
>>>
أنظر أمامى فأتفحّص الوجوه، فأجد تماثيل فارغة بلا قيمة. لقد سقطت التماثيل التى كنت أظنها راسخة فى معتقداتها الثقافية أو السياسية. كنت أختلف مع بعض التوجهات بعنف، وكنت أحاول تفسير هذا التمترس العجيب، لكن – رغم حدّة الخلاف – بقى الاحترام أكثر رسوخًا لشخوصهم. أما اليوم فأستيقظ على ما لم أكن أتخيّله يومًا.
>>>
كيف لهؤلاء أن يستديروا ثلاثمائة وستين درجة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؟ كيف ينتقلون من أحطّ أساليب المعارضة والرفض إلى أعلى درجات التأييد والحب؟ كيف يفقد الإنسان إحساسه بهذه السهولة؟ وكيف يظن أنه مختبئ وراء أصابعه، بينما هو مكشوف للجميع؟!
>>>
إن الجيوب – حقًّا – أذلّت أعناق أشباه الرجال. قد أتفهم أن يفعل ذلك مرتزقةٌ محترفون أو راقصون على موائد السياسة، لكن ما لا أفهمه ولا أقبله أن يخرج علينا نفرٌ من المؤلَّفة جيوبهم ليقرأوا علينا مقدساتهم اللعينة فى علوم الإفك والضلال والبهتان.
>>>
ما لا أستطيع تقبّله أن يتحوّل الوطن، فى أعين هؤلاء، إلى مجرد ديكور فى خلفية المشهد. لا إيمان بوطن، ولا احترام لقيم، ولا ثبات على مبدأ. وأنا هنا أتحدث فى العموم؛ لا أُخصّص ولا أُسمّى.
>>>
يا قارئى الحبيب، «فى فمى ماء». لا أستطيع البوح بكل ما يختلج فى صدري؛ فالظرف صعب، والكلام محسوب، والإشارة مؤوّلة. أكتب بمداد الضيق والغضب، لكن الضيق الأكبر نابع من إحساس مخيف يطرق باب العقل.
>>>
ماذا لو – لا قدر الله – دخلت مصر حربًا مع طرف من الأطراف التى نجحت فى تأليف قلوب وجيوب وبطون بعضٍ من نخبنا؟ أين سيقف هؤلاء؟ هل يقفون مع مصر، أم مع أولياء نعمتهم فى أصقاع الأرض؟
>>>
أتصور أننا أمام أزمة حقيقية: أزمة فشل فى صناعة نخبة وطنية صادقة، تكون بوصلتها الوحيدة – وأكرر الوحيدة- هى مصر، دون غيرها.
>>>
أنا أحب عائلتى بصدق، وأحب أولاد عمى وأولاد خالى بإخلاص، أخاف عليهم وأدافع عنهم ولا أقبل لهم مكروهًا. لكننى – قبل كل ذلك – أحب أخي، وأضع أبى فوق الجميع. فإذا لم يكن فى خير الأقربين خير، فلن يكون فى البعيدين
>>>
الوطن هو الدائرة الأولي، وهو البيت الأول، وهو السقف الذى يظلّل الجميع. ومن لا يعرف قدر هذا السقف، فلا خير فيه.
>>>
فلا خير فيمن يبيع وطنه تحت لافتة الرأى والرأى الآخر، ولا خير فى قلمٍ يكتب بالحبر حينًا، ويكتب بالدولار أحيانًا أخري. فالأوطان لا تُدار بالمزايدات، ولا تُصان بالأقلام المرتعشة، بل تُحمى برجالٍ يعرفون أن الوطن ليس صفقة.. بل قدر.









