شهدت منطقة الشرق الأوسط فى الآونة الأخيرة تصعيداً غير مسبوق، وضع العالم بأسره على حافة الهاوية، حيث تداخلت خيوط الصراع بين أطراف متعددة فى مواجهة مركبة تجمع بين إسرائيل، والولايات المتحدة، وإيران. وفى خضم هذا المشهد الضبابى والمليء بأصوات السلاح، برزت الدولة المصرية كقوة إقليمية رشيدة، تتبنى استراتيجية «صوت الحكمة والعقل»، ساعية بكل ثقلها الدبلوماسى والتاريخى للحيلولة دون انفجار صراع شامل قد يأكل الأخضر واليابس. تنطلق مصر فى تحركاتها من فلسفة سياسية ثابتة، ترى أن الأمن القومى العربى والإقليمى لا يمكن تحقيقه عبر فوهات المدافع، بل من خلال تسويات سياسية شاملة تخاطب جذور الأزمات. وفى الصراع الحالى، تدرك القاهرة أن أى مواجهة مباشرة بين الثلاثى إسرائيل وأمريكا وإيران لن تقتصر آثارها على أطرافها فقط، بل ستؤدى إلى انهيار منظومات الطاقة، والملاحة الدولية فى البحر الأحمر، وتدفقات التجارة عبر قناة السويس، مما يجعل من وقف هذه الحرب ضرورة وجودية للمنطقة وللعالم.
لقد نجحت الدبلوماسية المصرية فى صياغة خطاب يتسم بالاتزان، حيث لم تنزلق إلى فخ الاستقطاب الحاد، بل حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع كافة الأطراف. هذا الدور الوسيط النزيه جعل من القاهرة الوجهة الأولى لمديرى الاستخبارات ووزراء الخارجية من واشنطن وطهران وعواصم أوروبا، بحثا عن خارطة طريق تضمن خفض التصعيد وكان من نتائجه تنفيذ الهدنة الحالية.
وتتحرك مصر فى هذا الصراع المعقد عبر ثلاثة محاور متوازية تهدف إلى محاصرة كرة النار قبل تمددها. وهي:
المحور الفلسطيني-الإسرائيلى، حيث تؤمن مصر أن جوهر الصراع الإقليمى الحالى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالقضية الفلسطينية. ولذا بذلت جهوداً مضنية لوقف العدوان على غزة، باعتباره الفتيل الذى تستخدمه أطراف أخرى لتبرير التصعيد الإقليمى. التهدئة فى غزة هى المفتاح السحرى لإغلاق جبهات الصراع الأخرى. ومارست القاهرة دوراً حيوياً فى نقل الرسائل المتبادلة لضمان عدم خروج قواعد الاشتباك عن السيطرة. اعتمدت مصر على لغة العقل فى تحذير كافة الأطراف من مغبة «سوء التقدير، الذى قد يؤدى إلى حرب إقليمية كبرى لا يريدها أحد ولكن قد ينزلق إليها الجميع. واتخذت مصر موقفاً حازماً، مؤكدة أن الحل يكمن فى معالجة المسببات السياسية للصراع وليس فقط فى الرد العسكرى الذى قد يزيد الأمور تعقيداً.
إن ما يميز الموقف المصرى هو الاستقلالية الاستراتيجية. فبينما يرى البعض الصراع من منظور طائفى أو توسعى، تراه مصر من منظور الدولة الوطنية والحفاظ على كيانات الدول من الانهيار. لقد حذرت القيادة السياسية المصرية مراراً من سيناريو تفتيت المنطقة وتحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية.
وتجلى ذلك فى المبادرات المصرية المتكررة التى تدعو إلى إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وضرورة احترام السيادة الوطنية للدول، ورفض التدخلات الخارجية التى تغذى الميليشيات المسلحة. هذا الخطاب العقلانى هو ما جعل مصر صمام أمان يمنع انزلاق المنطقة نحو فوضى شاملة.
ولا شك أن مهمة صوت الحكمة ليست سهلة فى ظل وجود حكومة إسرائيلية متطرفة تسعى للهروب من أزماتها الداخلية عبر التصعيد، واستراتيجية إيرانية تعتمد على أذرعها الإقليمية، وضغوط انتخابية وسياسية فى الداخل الأمريكى. ومع ذلك تراهن مصر على تراكم الخبرة الدبلوماسية وقوة مؤسساتها فى إدارة الأزمات.
تستند القوة المصرية أيضاً إلى جبهة داخلية متماسكة وتنمية اقتصادية تتطلب استقراراً إقليمياً، مما يعطى تحركاتها الخارجية مصداقية عالية. فهى لا تبحث عن نفوذ وهمى بل عن سلام مستدام يسمح لشعوب المنطقة بالبناء والتنمية.
ويظل الدور المصرى فى وقف الحرب الإسرائيلية الأمريكية الإيرانية هو النموذج الأبرز لسياسة الواقعية الرشيدة. إن مصر لا تبيع الأوهام، بل تقدم حلولاً قابلة للتنفيذ تقوم على احترام القانون الدولى وحقوق الشعوب.
إن العالم اليوم مطالب بالإنصات جيداً لصوت القاهرة؛ لأن البديل عن الحكمة والعقل الذى تمثله مصر هو دوامة من العنف لن يسلم منها أحد. لقد أثبتت الأزمات المتعاقبة أن مصر ليست مجرد طرف فى المعادلة، بل هى الطرف القادر على ضبط بوصلة المنطقة نحو الاستقرار، مؤكدة أن قدرها التاريخى والجغرافى يفرض عليها أن تظل دائماً «منارة السلام» فى شرق أوسط مضطرب.
وللحديث بقية









