فى الحروب، يعلو صوت المدافع فى البداية، وتعلو معه لغة الانتصارات والبيانات العسكرية، لكن بعد أن يهدأ الغبار قليلاً يبدأ السؤال الحقيقي: من الذى دفع الثمن؟ ومن الذى خرج بالمكسب؟ فالحروب لا تُقاس فقط بعدد الصواريخ التى أُطلقت، بل بعدد الدول التى استنزفت، والاقتصادات التى اهتزت، والمجتمعات التى دفعت الفاتورة.
>>>
حرب إيران الحالية ، سواء كانت مباشرة أو عبر ساحات متعددة فى المنطقة، تحولت مع مرور الوقت إلى حرب استنزاف واسعة لاتخص طرفاً واحداً. إنها شبكة معقدة من الصراعات المتداخلة، حيث تتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية، وحيث يدفع الجميع تقريباً جزءاً من الكلفة.
>>>
إيران تبدو أول من يدفع الثمن الأكبر. فاقتصادها يعيش منذ سنوات تحت ضغط العقوبات، ومع كل جولة تصعيد تتضاعف الكلفة: إنفاق عسكرى متزايد، تراجع فى العملة، تضخم يضغط على المواطن، واستنزاف مستمر للموارد. قد ترفع طهران شعارات الصمود، لكن الحقيقة أن أى اقتصاد لا يستطيع تحمل صراع طويل دون أن تتآكل قدرته على النمو والاستقرار.
>>>
أما إسرائيل، ورغم تفوقها العسكرى الواضح، فإنها تواجه معضلة مختلفة. فالقوة العسكرية تستطيع توجيه ضربات مؤثرة، لكنها لا تستطيع إنهاء الصراع جذرياً فى منطقة تتشابك فيها الجبهات من غزة إلى لبنان إلى البحر الأحمر. لذلك فإن إسرائيل، حتى وهى تضرب، تجد نفسها فى حالة استنفار دائم، تدفع كلفة أمنية وعسكرية مستمرة.
>>>
الولايات المتحدة أيضاً ليست خارج دائرة الخسائر. فكل تدخل عسكرى أو دعم عسكرى واسع فى المنطقة يعنى مليارات الدولارات من الإنفاق، واستنزافاً للموارد، وفتح جبهة توتر جديدة فى عالم مزدحم أصلاً بالأزمات من أوكرانيا إلى شرق آسيا. صحيح أن واشنطن ما زالت تمتلك التفوق العسكري، لكنها تدفع ثمن إدارة نظام عالمى مضطرب.
>>>
وفى الخليج العربى تبدو الصورة أكثر حساسية. فالدول الخليجية تمتلك ثروة طاقية هائلة، لكنها تقع فى قلب منطقة قابلة للاشتعال. أى اضطراب فى مضيق هرمز أو أى تهديد للبنية التحتية النفطية ينعكس فوراً على الاقتصاد والاستثمار والتجارة. صحيح أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يمنح مكاسب مؤقتة، لكن عدم الاستقرار يظل الخطر الأكبر.
>>>
أما مصر، فهى ليست طرفاً فى الحرب، لكنها لا تستطيع الهروب من آثارها. فكل اضطراب فى البحر الأحمر أو فى طرق التجارة العالمية ينعكس على حركة الملاحة فى قناة السويس، وعلى أسعار الطاقة والغذاء. وهكذا تجد مصر نفسها، مثل كثير من دول المنطقة، تدفع جزءاً من فاتورة حرب لم تشعلها.
>>>
لكن السؤال الأهم: من الذى يربح؟
الحقيقة القاسية أن الرابح الأكبر فى كثير من الحروب ليس دولة بعينها، بل منظومات كاملة مثل صناعة السلاح العالمية، التى تزدهر كلما اشتعلت الصراعات، وكذلك القوى الاقتصادية التى تستفيد من تقلبات الطاقة وإعادة تشكيل الأسواق.
>>>
أما الدول القريبة من ساحة النار، فإنها غالباً ما تخرج بخسائر أكبر مما توقعت حين بدأت المواجهة.
ولهذا يعلمنا التاريخ درساً بسيطاً لكنه قاسٍ:
الحروب قد تبدأ بخطاب سياسى أو بقرار عسكري، لكنها فى النهاية تتحول إلى دفتر حساب طويل، وعندما تُفتح صفحاته بعد سنوات، يكتشف الجميع أن الفاتورة كانت أكبر بكثير مما تخيله من أشعل الحرب فى البداية.









