لم أجد فى أى شريعة من الشرائع السماوية أو حتى القوانين الوضعية نصاً صريحاً يقضى بإعدام الأسري.. أما فى إسرائيل فقد وافق الكنيست على تمرير قانون يقضى بجواز إعدام الأسرى الفلسطينيين بأغلبية 62 صوتاً وهو ما جعله قانوناً ناجزاً يمنح المحاكم العسكرية صلاحية إصدار أحكام بالإعدام بحق الفلسطينيين المدنيين بقتل إسرائيليين تحت مبررات «دوافع قومية أو عدائية» أو بقصد الإضرار بدولة الاحتلال وهو ما يمثل انتقالاً إلى مرحلة خطيرة تسمح بإعطاء شرعية وإطار رسمى لتكريس القتل كأداة مركزية فى منظومة الحكم وتعزيز نظام يقوم على عدم التمييز فى مبررات تطبيق هذا القانون وجعله أداة تسلط على رقاب الأسرى مهما كانت الأسباب التى أدت إلى أسرهم واعتقالهم حتى ولو كانت الجريمة المنسوبة إليهم تأتى فى إطار الدفاع عن النفس أو درء المخاطر التى قد تحيط بوقوع الجرائم مثل مواجهة اعتداءات المستوطنين على أراضى ومنازل الفلسطينيين المدنيين للاستيلاء عليها.
إن اعتماد قانون لإعدام الأسرى يؤكد على وجه الاحتلال الوحشى الذى يتحدى كافة الشرائع والقوانين خاصة أإنه يستثنى الإسرائيليين الذى يرتكبون جرائم مماثلة ويمنحهم الفرصة لاستئناف الأحكام الصادرة ضدهم من محاكم مدنية وليست عسكرية وغالباً ما يتم تعديل هذه الأحكام إلى السجن المؤبد أو بسنوات أقل.
حاول الإعلام الإسرائيلى تبرير صدور هذا القانون بأنه رد فعل طبيعى على أحداث السابع من أكتوبر 2023 متجاهلاً السياق الأوسع لأسبابه خاصة بعد اتساع جرائم الاحتلال فى أعقاب ما حدث وما ترتب عليها من اعتقالات إدارية ومحاكمات دائرة لا تتسق مع معايير المحاكمات العادلة والقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان الصادرة من الجمعية العامة للأمم المتحدة والتى سبق أن وافقت عليها إسرائيل نفسها والتى تدعو إلى تعليق عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبات أخرى مما جعل القانون الجديد الذى تم التصديق عليه يمثل تناقضاً صارخاً مع موقفها السابق ويؤكد كذب الادعاءات الإسرائيلية التى تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وتتجاهل الواقع اليومى للآسرى الفلسطينيين الذين يتعرضون للتعذيب والإهمال الطبى والعزل الانفرادي.
وبنظرة سريعة إلى أهم بنود هذا القانون نجد أن تنفيذ حكم الإعدام يتم خلال 90 يوماً من صدور القرار النهائى بدون أى استئناف أو تخفيف أو إلغاء.. وخلال هذه الفترة يتم احتجاز المحكوم عليهم فى زنازين انفرادية تحت الأرض ومنع الزيارات عنهم لحين تنفيذ حكم الإعدام والذى يتم بواسطة ضباط ملثمين لضمان مجهولية القاتل وحمايته ومنحه حصانة جنائية ومدنية كاملة كما منح الصلاحية لوزير الأمن القومي- وهو حالياً المتطرف اليمينى إيتمار بن غفير- صلاحيات إمكان تطبيق حكم الإعدام دون طلب النيابة العامة أو الحصول على موافقة جماعية من القضاة العسكريين.. وهنا نتساءل أى عدل هذا؟ وأى قانون أو شريعة دينية تبيح ذلك؟
الاتفاقية الثالثة من اتفاقيات منظمة الأمم المتحدة الخاصة بأسرى الحرب تحدد أن الأسرى هم أشخاص أصبحوا خارج دائرة القتال فاقدى السلاح والقدرة على المقاومة وبالتالى يكتسبون حماية قانونية كاملة.. هذه الحماية لا تقتصر على منع تعذيبهم أو إهانتهم بل تمتد لتشمل الحق فى الحياة بكرامة داخل معسكرات الاحتجاز مع توفير الغذاء والرعاية الطبية والزيارات لهم.. ولا يجوز تعريض الأسير لأى عقوبة دون محاكمة عادلة تستوفى كافة الضمانات القانونية.. وأثناء الاستجواب لا يجبر على الإدلاء إلا بمعلومات أساسية كالاسم والرتبة والرقم العسكرى ولا يجوز تعذيبه لاستخلاص معلومات.. فأين كل تلك الضمانات من هذا القانون الذى تم إقراره فى إسرائيل؟.
إن الأسرى الفلسطينيين يمثلون شريحة واسعة من المجتمع الفلسطينى تضم الآلاف من الأفراد المحتجزين لأسباب سياسية وبعضهم فى جرائم قتل خطأ أو إصابات أدت إلى الموت فهل إعدامهم جميعاً سوف يؤدى إلى إنهاء النزاع؟
وهنا تتحول المقاومة إلى سلوك أكثر عنفاً لا قيود عليها بعدما فقد المقاوم ثقته فى أنه سوف يعامل بكرامة إذا وقع كأسير حرب إن استسلم وبالتالى سوف تزداد وحشية المعارك وتتسع دوائر الدم بعدما تحول الاستثناء وهو أحكام الإعدام إلى قاعدة وهنا تفقد الإنسانية معناها عندما يعجز المدافع عن حقه وحق بلاده.
إن قانون إعدام الأسرى يمثل صفحة سوداء جديدة فى تاريخ إسرائيل ولكنه لن يكون الكلمة الأخيرة فى صمود الشعب الفلسطينى ولا فى حقه فى الحياة والأمل فى الاستقرار والعودة وتقرير المصير.









