من كان يرى تصريحات وتهديدات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب قبل توقيع اتفاق الهدنة مع إيران، ظن أن لن تقوم إيران مرة أخرى، وأنه سيمحوها من على وجه الأرض، وأن حضارتها ستكون فى مهب الريح.. حيث وعد أنها ستموت للأبد، وأن أبواب الجحيم ستفتح على إيران، وسيضرب الجسور ومحطات الطاقة والمنشآت الاقتصادية وسوف يعيدها إلى العصر الحجري.. وهنا السؤال: ما الذى أجبر ترامب على الموافقة على اتفاق الهدنة مع إيران لمدة أسبوعين وظن أنها مخرج لأمريكا يحفظ ماء الوجه، لانتشالها من المستنقع الإيراني، والسؤال الثانى بعد توقف الحرب، من انتصر فى ساحة صراع الإرادات واشنطن وتل أبيب أم طهران؟ خاصة أن الجميع الآن يروج لنصر.. وهل كانت تصريحات وتهديدات ترامب بتدمير إيران، ومحوها من الوجود، مجرد وسائل للضغط على إيران التى أكد قادتها فى بيان المجلس الأعلى للأمن القومى الإيراني، أن أمريكا كانت تتوسل على مدار شهر من أجل إيقاف الحرب، ثم ما سر قوة الموقف الإيرانى وفرضها لشروط تبدو صعبة على الأمريكان، وعدم استجابتها أو مبالتها لتهديدات ترامب، وإصرارها فى البداية على عدم الدخول فى هدنة وتمسكها بإنهاء شامل للحرب ليس على إيران فحسب بل على كل جبهات المقاومة.. وما الألم الذى أصاب واشنطن وتل أبيب حتى جعل نائب الرئيس الأمريكى جى دى نانس يقول إن الرئيس ترامب متلهف لاتفاق بشأن إيران، وما الذى حول العالم إلى السخرية من تهديدات ترامب.
الحقيقة قبل الخوض فى التفاصيل والإجابات لابد أن نعود للبدايات، حيث الأهداف التى أعلنها الأمريكان والصهاينة من حربهم ضد إيران، إسقاط النظام الإيراني، والقضاء على البرنامج النووى والصاروخى وتحويل إيران إلى دولة موالية وخاضعة للهيمنة الأمريكية والهدف غير المعلن الذى جاء على لسان وزير خارجية سلطنة عمان الشقيقة الذى أكد أن الهدف هو إعادة تشكيل المنطقة العربية، وبطبيعة الحال هنا مشروع صهيونى لا يخفى على أحد، بعد تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى المريض بالتطرف والأوهام بشكل متكرر والسفير الأمريكى فى تل أبيب مايك هالابى ثم أسفرت مجريات الحرب عن إغلاق إيران لمضيق هرمز أمام الملاحة وعبور الناقلات، وهدد ترامب بفتح المضيق بالقوة وهو ما لم يحدث وفشل مجلس الأمن بعد الفيتو الروسى والصينى فى إصدار قرار بهذا الشأن.
أقول بكل وضوح وصراحة، وبدون عواطف، أو انحياز لإيران على الاطلاق، نهايات ما قبل الوصول لاتفاق الهدنة تشير إلى أن إيران انتصرت فى صراع ومعركة الإرادات، وأن أهداف الأمريكان والصهاينة لم تتحقق على الاطلاق، وأنه لا يعنى إصابة 13 ألف هدف فى إيران بفعل القصف الجوى انتصاراً لواشنطن وتل أبيب، فلم تسفر عن شيء فى اخضاع الإيرانيين واستسلامهم بل زادهم إصراراً وتماسكاً وما أراده ترامب من الشعب الإيراني، للخروج وإسقاط النظام واستهداف مؤسسات الدولة تحول إلى حالة من الاصطفاف الوطني، حتى الإيرانيون فى الخارج عادوا لوطنهم، للمشاركة فى الدفاع عنه، وتحدى الأمريكان وما أراده ترامب، تحول إلى أهم وسائل هزيمته فى إيران ليعى الجميع الدرس أن الشعوب كما قال الرئيس والزعيم التاريخى عبدالفتاح السيسى، مراراً وتكراراً «الشعب هو من يحمى الوطن»، ونصح الشعوب الصديقة والشقيقة «خلوا بالكم من بلادكم وأوطانكم» ولدينا مثال على أرض الواقع نموذج، هو الشعب المصرى العظيم الذى يصطف خلف قيادته ووطنه وهو سر ما تتمتع به مصر من قوة وقدرة وأمن واستقرار وأهم أسلحة الردع المصرى يكمن فى شعب عظيم.
جميع تقديرات وحسابات ترامب ونتنياهو فيما يتعلق بالحرب على إيران فاشلة وخاطئة ولم يتحقق أى شيء إيجابى ولذلك أذكر خسائر أمريكا المادية والمعنوية، ولماذا قبلت وسارعت إلى إبرام اتفاق الهدنة، ولعل ما سبق من تصريحات للرئيس الأمريكى ونائبه بأن أمريكا حققت جميع أهدافها العسكرية وتجاوزتها، توصلت بعدها أن واشنطن فى مأزق، وأن تهديدات ترامب ما هى إلا محاولات لتزييف الوعى الأمريكى والخروج من هذا المأزق.
أولاً: لم تحقق أمريكا وإسرائيل أهدافها العسكرية أو تلك التى أعلنت عنها، فالقدرات النووية الإيرانية، والنظام الإيرانى باقون، كما أن هناك تسريبات ومعلومات تشير إلى اكتمال البرنامج النووى الإيراني، وامتلاك السلاح النووى ومازال البرنامج الصاروخى قائماً وبفاعلية مهما حاول الأمريكان الزعم بأنهم قضوا على القدرة الصاروخية الإيرانية بدليل أن الصواريخ الإيرانية مازالت تفتك بالأهداف الأمريكية وتدخل لتدمر فى العمق الصهيوني.
ثانياً: أمريكا تعرضت لمهانة عسكرية شديدة القسوة سوف تدفع ثمنها باهظاً سواء فى الثقة فى السلاح الأمريكى أو فى قدرة الجيش الأمريكى على حسم الحروب، ولدينا الكثير ما يمكننا أن نسوقه حول فقدان أمريكا الهيبة، والتعرض لإهانة ومهانة، بعد أن سقطت مقاتلاتها الشبحية والمتطورة وسقوط طياريها، وتدمير مقاتلات من طرازات كان يسوق لها أنه لم يمكن إسقاطها مثل إف – 35، وإف – 15، وإف – 18، وطائرات المراقبة والإنذار المبكر أواكسى وطائرات التزود بالوقود، وحاملات الطائرات الأكثر تطوراً فى العالم أصيبت وخرجت من مسرح العمليات للإصلاح، وفشلت كافة الأسلحة المتقدمة والأقمار الصناعية، والمقاتلات الشبحية إيران ربحت فى معركة وصراع الإرادات، واستفادت الصين وروسيا من سقوط هيبة الخصم الأمريكي، لكن الأكثر أهمية وهنا السؤال هل تستفيد بعض دول المنطقة من درس الحرب وما دار خلالها وما يستوجب مراجعة شاملة للاتفاقيات والحسابات أم تبقى الأمور كما هي؟!.
تحيا مصر









