فى أروقة صناعة القرار الغربى والإسرائيلى اليوم، لم تعد النصوص الدينية مجرد تراث يُقرأ للوعظ، بل تحولت إلى خرائط عملياتية توجه بوصلة الجيوش وتحدد بنك الأهداف الجيوسياسية، من السذاجة الإستراتيجية المفرطة أن نواصل قراءة الأحداث المتسارعة فى الشرق الأوسط عبر عدسة ‹المصالح السياسية› التقليدية وحدها، متجاهلين المحرك الأيديولوجى الأخطر فى عصرنا: «القراءة التدبيرية».
التيار الحاكم فى إسرائيل اليوم يتبنى ما يعرف بـ «إجبار الرب»، وهى عقيدة تنطلق من مقولة خطيرة مفادها أن «يد الله مغلولة»- تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وأن البشر مطالبون بتسريع مجيء المخلص من خلال إشعال حرب شاملة فى الشرق الأوسط.
وفى أمريكا تسيطر على النخبة الحاكمة أفكار ونبوءات كتاب هال ليندسى «كوكب الأرض العظيم الراحل» الذى صدر عام 1970 وبيع منه أكثر من 35 مليون نسخة، ويمكن اعتباره «الدستور غير الرسمى» لصقور البيت الأبيض والبنتاجون، والوثيقة التأسيسية التى توجه قناعات مئات الملايين من الإنجيليين فى الغرب.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: نفس رجال الدين الذين يدفعون نحو التصعيد العسكرى هم من يملكون مفاتيح التأثير فى الشعوب، ويضغطون على صناع القرار لزيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل وعدم وقف الحرب.
الحاخام إبراهيم إسحاق كوك، مؤسس الصهيونية الدينية، كتب عبارة ترتعد لها الفرائص: «عندما تكون هناك حرب عظيمة فى العالم، تستيقظ قوة المسيح»، أما ابنه، الحاخام تسفى يهودا كوك، فأضاف: «كل حرب هى مرحلة فى خلاص إسرائيل».
وفى خضم هذا الجنون اللاهوتي، هناك صوت آخر يعلو- صوت مسيحيى الشرق الأوسط الأصليين- أولئك الذين حملوا الإيمان على هذه الأرض منذ ألفى عام، قبل أن توجد أمريكا، وقبل أن يوجد اللاهوت التدبيري، فى يناير 2026، أصدر بطاركة ورؤساء كنائس القدس بيانًا تاريخيًا حذروا فيه من أن «الأيديولوجيات الضارة، مثل الصهيونية المسيحية، تضلل الجمهور وتضر بوحدة قطيعنا»، وقالوا إن هذه الأيديولوجيات وجدت قبولاً لدى جهات سياسية فى إسرائيل وخارجها.
وأخيراً أترك القارئ مع سؤالين لا مفر منهما:- الأول: كيف يمكننا أن نأخذ قرارات الحرب والسلم على محمل الجد، بينما بعض صناع القرار فى واشنطن وتل أبيب ينظرون إلى الصواريخ والقنابل كـ«طقوس دينية» تمهد الطريق لنهاية العالم؟
أما الثاني: إلى متى ستظل أمتنا العربية غافلة عن هذا المحرك الأيديولوجى الخفي، مكتفية بتحليل السياسات والمصالح، بينما يخطط الآخرون لتفكيكها كواجب دينى مقدس؟









