البوصلة التى تهدى الدول إلى الحقيقة لا تُصنع فى قاعات القرار وحدها، بل تُبنى أولاً فى عقولٍ ترصد، وتحلل، وتستشرف. فالتقدم فى جوهره ليس نتاج وفرة الموارد، بقدر ما هو انعكاس لقدرة الدول على إنتاج المعرفة وتوظيفها. ولهذا أصبحت مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأى فى العالم المتقدم بمثابة «العقل الجمعي» الذى يسبق القرار، ويضيء الطريق أمامه، ويمنحه عمقًا ومرونة فى مواجهة الأزمات.
فى مصر، مراكز علمية معتبرة فهناك مركز معلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء ومراكز الأبحاث بالجامعات ومؤسسات المجتمع المدني، إلى جانب تجارب استطلاع رأى مثل مركز بصيرة، غير أن التحدى الحقيقى هو التنسيق والتكامل، بين هذه المراكز وتحويل أبحاثها إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن فى حياته اليومية.
على النقيض من ذلك، نجد أن مراكز الفكر فى الولايات المتحدة مثل مؤسسة راند وبروكينجز، تؤدى دورًا محوريًا فى رسم السياسات، حيث تقدم بدائل دقيقة، وتُخضع القرارات لتقييم علمى مستمر، وتُطلع الرأى العام على نتائج أعمالها. وفى ألمانيا وبريطانيا، أصبحت استطلاعات الرأى أداة يومية لقياس اتجاهات المجتمع، لا تقتصر على الانتخابات، بل تمتد إلى كل ما يمس حياة الناس. الفارق هنا ليس فى الإمكانات فقط، بل فى الفلسفة التى تقوم على الاستقلالية، والشفافية، والتكامل مع مؤسسات الدولة.
هذا الفارق يفسر لماذا تظل الفجوة قائمة بين تلك الدول وما يجرى فى عالمنا العربي، بين ما ينبغى أن يكون وما يُنفذ على الأرض. فالمواطن لا يطلب تقارير تُحفظ فى الأدراج، بل يريد معرفة حقيقية: أين يقف الاقتصاد؟ كيف ستتعامل الدولة مع تداعيات الصراعات الدولية؟ ما البدائل المطروحة لمواجهة أزمات الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد ومتى تنقشع تداعيات الحرب الإيرانية وما السيناريوهات المتوقعة للتعامل معها إذا طال أمدها أو اتسعت رقعتها؟ هذه الأسئلة لا ينبغى أن تُترك للتكهنات أو اجتهادات السوشيال ميديا، بل يجب أن تتصدى لها مراكز بحثية قوية، تقدم سيناريوهات واضحة، وتطرح خيارات مدروسة.
ويمتد الأمر إلى تقييم الأداء الحكومى والتشريعي، إذ لم يعد مقبولاً أن يظل هذا التقييم حبيس الانطباعات.
الناس تريد أن تعرف على وجه اليقين وبالأرقام والوثائق: كم وزيرًا حقق مستهدفاته؟ كم منهم استجاب لشكاوى المواطنين؟ هل نجحت منظومة الشكاوى الحكومية فى تخفيف المعاناة؟ وهل يؤدى البرلمان دوره فى ضبط الإيقاع التشريعى بما يحسن حياة الناس؟ هذه كلها أسئلة تحتاج إلى أدوات قياس علمية، تُعلن نتائجها بشفافية، لتتحول إلى قوة دفع نحو الإصلاح.
كما أن القضايا اليومية، من جودة خدمات الاتصالات ومدى رضاء الناس عن أداء شركات المحمول ومدى جودة ما تقدمه من خدمات، ومتى يتم إنجاز ملف التحول الرقمى والشمول المالى والتأمين الصحى الشامل طوق النجاة لصحة أكثر استدامة وأمنا، فمثل تلك الملفات المهمة لم تعد تحتمل التقدير العشوائي. فالمجتمعات التى تتقدم هى تلك التى تقيس كل شيء، وتبنى قراراتها على بيانات دقيقة، لا على انطباعات متغيرة.
إن تطوير منظومة مراكز الأبحاث فى مصر يقتضى إعادة تعريف دورها، بحيث تصبح جزءًا أصيلاً من عملية صنع القرار، لا مجرد جهة استشارية هامشية. ويتطلب ذلك ربط هذه المراكز بشكل مباشر بمؤسسات الدولة، مع ضمان استقلالها المهني، وتوسيع نطاق نشر تقاريرها للرأى العام، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية موحدة تُحدث باستمرار، وتكون متاحة للباحثين. كما يفرض تبنى ثقافة الاستباق، عبر إعداد سيناريوهات مستقبلية فى مختلف القطاعات، وتحديد تكلفة كل خيار وعوائده، بما يمنح صانع القرار رؤية واضحة قبل اتخاذ أى خطوة.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار فى الكوادر البشرية، وبناء شراكات حقيقية مع مراكز الفكر العالمية، لنقل الخبرات وتوطينها، لأن المعرفة لم تعد حبيسة حدود، بل أصبحت شبكة عالمية متصلة.
وفى ظل المشهد الدولى الراهن، حيث تتصاعد التوترات إلى ما يشبه «حرب إرادات» بين إيران من جهة، وتحالف تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتضاعف أهمية هذه المراكز إلى حد غير مسبوق. فالعالم يعيش حالة من الضبابية، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، وتهدد فيها الأزمات ممرات إستراتيجية مثل مضيق هرمز ومضيق باب المندب، بما ينعكس مباشرة على أمن الطاقة وسلاسل الإمداد.
فى مثل هذه اللحظات، لا يكفى أن نتابع ما يحدث، بل يجب أن نفهمه، ونستبق تداعياته، ونستعد لأسوأ السيناريوهات.
لناس لا تبحث عن خطابات مطمئنة بقدر ما تبحث عن معرفة حقيقية تفسر ما يجرى وتستشرف ما هو آتٍ؛ تريد أن تفهم بوضوح أين يقف اقتصادنا اليوم، وكيف يمكن للدولة أن تتفادى تداعيات الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخري، وما الذى أُعدّ لمواجهة أزمة الطاقة العالمية، وما البدائل المطروحة إذا تعطل مضيق هرمز، أو إذا امتد التهديد إلى مضيق باب المندب. وهى فى الوقت ذاته فى حاجة ماسّة إلى صوت العلم، لا ليشرح الحاضر فقط، بل ليقدم تصورًا موضوعيًا لما ينتظرنا فى المدى القريب والبعيد، بما يبعث الطمأنينة على مستقبل الأبناء.
وهنا تتحول مراكز الأبحاث إلى خط الدفاع الأول عن استقرار الدولة، إذ تمتلك القدرة على تحويل القلق العام إلى معرفة، والمعرفة إلى بدائل، والبدائل إلى قرارات رشيدة. فإما أن نمتلك هذه البوصلة العلمية، فنحسن الإبحار وسط العواصف، أو نترك أنفسنا لتيارات عالم مضطرب لا يعترف إلا بمن يملك الرؤية والقدرة على الفعل.









