بعيدًا عن المكايدات السياسية أو المزايدات الحزبية أو المناوشات الطبقية، وبقدرٍ من التجرد والإخلاص للفكرة الأساسية، ينبغى أن نعيد طرح السؤال الذى تأجل طويلًا: هل يصل الدعم فى مصر فعلاً إلى مستحقيه؟
>>>
الحقيقة التى لا يمكن إنكارها أن منظومة الدعم العينى بصورتها الحالية أصبحت واحدة من أكثر الملفات استنزافًا للمال العام، ليس لأنها فكرة خاطئة فى أصلها، بل لأن تطبيقها تحوّل مع الزمن إلى نظام واسع يوزَّع فيه الدعم على الجميع تقريبًا، دون تمييز حقيقى بين من يحتاجه ومن لا يحتاجه.
>>>
فكيف يعقل أن يباع لتر الوقود بالسعر نفسه للسفير الأجنبى، والسائح العابر، واللاجئ المقيم، والمواطن محدود الدخل؟
كيف نساوى فى منظومة الدعم بين من يمتلك سيارة فارهة تستهلك عشرات اللترات يوميًا، وبين خالتى أم على بائعة البليلة، أو الحاجة صابرة بائعة الجرجير، أو عم صابر البقال، أو الأسطى عبدالقوى الحداد؟
هؤلاء فى كثير من الأحيان لا يستفيدون أصلًا من دعم المواد البترولية، لأنهم يسيرون على أقدامهم أو يستخدمون وسائل بسيطة لا تستهلك الوقود.
>>>
المفارقة المؤلمة أن الدولة تتحمل فاتورة دعم ضخمة، تقترب من 750 مليار جنيه سنويًا فى الموازنة العامة، بينما لا يشعر المواطن بحقيقة ما تتحمله الخزانة العامة.
المواطن الذى يقف أمام محطة البنزين لا يعرف أن تكلفة لتر السولار الحقيقية قد تقترب من 70 جنيهًا، ولا يعرف أن تكلفة رغيف الخبز تصل إلى نحو جنيه ونصف، ولا يعلم أن أنبوبة البوتاجاز قد تكلف الدولة ما يقارب 375 جنيهًا.
>>>
لهذا السبب، حين تُحرَّك الأسعار قليلًا لتقليل فجوة الدعم، يشعر المواطن بالغضب، لأنه لا يرى الصورة الكاملة، ولا يعرف حجم الفارق بين السعر الحقيقى وسعر البيع.
>>>
المشكلة هنا ليست فى المواطن، بل فى ثقافة اقتصادية ترسخت عبر عقود: ثقافة الدعم المفرط، وثقافة «أبو بلاش»، التى جعلت المجتمع يتعامل مع الدعم باعتباره حقًا مطلقًا للجميع، لا أداة موجهة لمساندة الفئات الأكثر احتياجًا.
>>>
والنتيجة أننا أمام معادلة مقلوبة:
الدولة تشترى لتر السولار بأكثر من ثلاثة أضعاف سعر بيعه، وتتحمل الفارق من الموازنة العامة، ثم تتعرض للهجوم لأنها تحاول تقليل هذا النزيف.
إن ما نحتاجه اليوم ليس مجرد تعديل أسعار هنا أو هناك، بل تحول كامل فى فلسفة الدعم.
>>>
الطريق الأكثر عدلاً وشفافية هو تحرير أسعار السلع والمنتجات البترولية تدريجيًا وربطها بتكلفتها الحقيقية، كما يحدث فى معظم دول العالم، مع تحويل الجزء الأكبر من فاتورة الدعم إلى دعم نقدى مباشر يصل إلى مستحقيه الحقيقيين.
>>>
بدلاً من أن تدعم الدولة السلعة نفسها، تدعم المواطن المستحق.
وبذلك يتحقق هدفان فى آن واحد:
الأول وقف نزيف إهدار المال العام فى دعم غير موجه.
والثانى تمكين المواطنين من الحصول على دعم نقدى حقيقى يساعدهم على مواجهة تكاليف الحياة.
>>>
بل إن جزءًا من هذه المليارات يمكن أن يوجَّه إلى رفع دخول الناس وتحسين الخدمات الأساسية فى التعليم والصحة والبنية التحتية.
والتجربة العالمية تقول إن السوق حين يعكس السعر الحقيقى للسلع، يتغير السلوك تلقائيًا.
فمن يدفع تكلفة الكهرباء الحقيقية سيقتصد فى استهلاكها.
ومن يدفع ثمن الوقود الحقيقى سيعيد التفكير فى أنماط استهلاكه.
>>>
بهذه الطريقة نصل إلى نقطة التوازن المفقودة بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.
إن مواجهة هذا الملف لا تحتاج إلى شعبوية، بل إلى جرأة ووضوح وصدق مع الناس.
>>>
فالدعم يجب أن يكون عادلاً.. لا عشوائيًا.
وأن يصل إلى مستحقيه.. لا أن يتحول إلى باب مفتوح يهدر المليارات.
وإلا فإننا سنبقى ندور فى حلقة مفرغة من الدعم الذى لا يشعر به مستحقوه، والمال العام الذى يتآكل بصمت
وهنا تكمن الكارثة.








