لا أعلم إن كانت الأمور سوف تتغير حين يأتى وقت نشر هذا المقال، فنحن نعيش حاليًا فى واحدة من أحرج مراحل تاريخ البشرية، والله وحده يعلم ماذا يخبئه القدر لنا. ما يحدث فى الشرق الأوسط الآن مهزلة تتعارض مع كل شيء؛ مع المنطق، ومع الحق، ومع العدالة، ومع القوانين الدولية. كل هذه الحروب، وهذا القتل، وهذا الدمار، وخراب البيوت، وإهدار الطاقات، افتعلها من لا ضمير لهم، دون أدنى تفكير فى ما قد ينجم عنها من هلاك وخراب، ولأسباب غير منطقية أو غير مفهومة. انها مجرد نزعة شريرة.. والخاسر فى النهاية هو العالم بأكمله، أما النتيجة فهى فى علم الله وحده.
إيران مازالت صامدة وتقاوم بشراسة، رغم تدمير معظم قدراتها الحربية وبنيتها التحتية، لكنها لم تفقد وطنيتها ولا عزمها ولا شجاعتها. هى تحارب أمريكا ومن يدور فى فلكها، أى أنها تحارب إسرائيل، عدوة العرب الأولي، والتى لم تتوقف يومًا عن التخطيط لابتلاع ما حولها من الأراضى العربية، بل وتعلن ذلك جهارًا دون خوف أو مواربة. ومن هذا المنطلق، يبدو منطقيًا أن تتمنى الشعوب العربية انتصار إيران على إسرائيل، أو على الأقل إضعافها، فهى فى النهاية تحارب عدوا تاريخيا للعرب، عدو تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية بكل ما تملكه من قوة وتكنولوجيا ونفوذ عالمي.
لكن إيران ارتكبت خطأ إستراتيجيا كبيرا حين قامت بمهاجمة الوجود الأمريكى فى دول الخليج. قد يكون هدفها هو القواعد الأمريكية ردا على هجوم أمريكا عليها، ولكن الواقع أنها تصيب الدول العربية المستضيفة لتلك القواعد، وهذا أمر غير مقبول ولا يمكن تبريره مهما كان الهدف الأساسي.
إن ذلك خطأ جسيم، بل غباء سياسى بكل المقاييس، لأنه لو لم يحدث، لكان السيناريو مختلفا تماما، وربما كان فى صالح إيران بدرجة كبيرة، بل وربما كانت فرصة حقيقية للتخلص من كابوس أقلق المنطقة والعالم لما يقرب من نصف قرن.
إن ضرب دول الخليج خطأ فادح، وموقف قادة هذه الدول فى ضبط النفس والتحلى بالحكمة موقف يحسب لهم، لما له من دور مؤكد فى منع تحول الصراع إلى حرب إقليمية لا يعلم مداها ولا نتائجها إلا الله. ومن مصلحة الجميع، وخاصة إيران نفسها، أن يتوقف هذا التصعيد فورا قبل أن تتعقد الأمور أكثر.
وقد تأكدنا جميعا أن الوعود الأمريكية بتوفير الحماية لدول الخليج من خلال قواعدها العسكرية، والتى تكلفت مئات المليارات من الدولارات، لم تكن على مستوى التوقعات. فقد رأينا فى هذه الحرب أن وجود هذه القواعد لم يمنع الخطر، بل بدا الأمر فى بعض الأحيان عبئا على الدول المستضيفة، والتى وجدت نفسها مطالبة بحماية أراضيها بنفسها إضافة الى الجنود الأمريكان والذين لاذوا الفرار الى الفنادق.
أما الموقف الأوروبى الرافض للانخراط فى حرب لا تقوم على حق واضح أو عدل مقنع، فهو موقف يحسب لهم تماما، ويعكس عدم اقتناع كثير من الدول بالمبررات التى سيقت لبدء هذا الصراع، والذى استخدمت فيه أخطر وأبشع أدوات الدمار دون هدف واضح يخدم استقرار العالم. فقد استخدمت الولايات المتحدة أحدث ما لديها من أسلحة الدمار، وأمدت إسرائيل بها عبر جسر جوى متواصل من الإمدادات العسكرية، فى مشهد يزيد من اشتعال الموقف بدلاً من تهدئته.
أما القوى العالمية الأخري، التى ينتظر منها العالم دورا أكثر توازنا فى مواجهة هذا الانفلات، فمازال دورها المعلن محدودًا. أعلنت روسيا مثلاً انها لا تقدم إلا دعما استخباريا محدودا لإيران، ونأمل أن تكون هناك تحركات أخرى تسير بعيدا عن الأضواء دعما لبلد إسلامى يواجه شراسة الترسانة العسكرية لأمريكا بمفرده.
إن استمرار هذا الوضع ينذر بتوسيع دائرة الصراع إلى حدود قد تصبح أكثر خطورة وتعقيدا، وكل ذلك بسبب نزوة شريرة لنفوس مريضة قد يدفع العالم كله ثمنها.









