تنفس العالم كله الصعداء مساء الثلاثاء الماضى بإعلان وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران لمدة أسبوعين خطوة كان الجميع في انتظارها وسط تخوفات شديدة من أن ينفذ الرئيس الأمريكي ترامب تهديده بيوم الجحيم وتواصل طهران انتقامها من جيرانها الذين لا دخل لهم بالحرب، العالم كله كان يتحدث عن الخطر، ويحذر من الكوارث التي يمكن أن تحدث لو وقع المحظور وخرجت الأمور عن السيطرة لكن أحدًا لم يكن يملك القدرة على فعل ما يمكن أن يوقف هذا الخطر أو يحاور من أجل التهدئة.
هنا جاء الدور المصرى والباكستاني، تحملت الدولتان المسئولية من أجل منع الكارثة قبل أن تقع وإنقاذ الوضع الإقليمي من الانفجار، تحركت الدولتان بكل ثقلهما السياسي والدبلوماسي بتعاون وتنسيق كامل بينهما، ومع القوى الإقليمية والدولية.
المشكلة الحقيقية أمام القاهرة وإسلام آباد كانت ضيق الوقت، فالتطورات متسارعة والمواجهة تقترب من مرحلة الجنون، والخطر يحيط بالجميع، ولا مجال لإضاعة دقيقة واحدة، كل لحظة لها ثمن وكل خطوة تصعيد لها تداعياتها التى لا يمكن أن تعوض، وفى الوقت نفسه مستوى الاستجابة من الطرفين الأمريكي والإيراني صعبة، المفاوضات كانت غاية في الصعوبة لدرجة أن أطرافًا إقليمية ودولية حاولت الدخول للوساطة لكنها تراجعت سريعا بعدما تأكدت من تصلب المواقف ورفض واشنطن وطهران تقديم أي تنازلات، وقوى أخرى بعد أن بدأت محاولات اضطرت أن تتخذ خطوة للخلف يأسا من الوضع، ولكن ظلت المحاولات المصرية الباكستانية دون توقف ودون فقدان للأمل.
طوال الفترة الماضية فالدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية أجرى وحده خلال 18 يوما نحو 68 اتصالا منها 7 اتصالات مع نظيره الباكستاني محمد إسحاق و 6 اتصالات مع نظيره التركي بجانب اجتماعين للرباعية المصرية والسعودية والباكستانية والتركية وكل هذه التحركات كانت من أجل جهود وقف الحرب، لكن الـ 24 ساعة الأخيرة كانت هى الحاسمة والفاصلة ولذلك شهدت جهودا مكثفة لمنع الانفجار الذي كان على وشك الوقوع، ودون مبالغة فقد أجرى وزير الخارجية المصرى الدكتور بدر عبد العاطى – خلال هذه الساعات – عشرات الاتصالات بكافة الأطراف البعض منها أعلن عنه فى بيانات رسمية لكن البعض الآخر لم يعلن لأنها كانت اتصالات متكررة وتناقش تفاصيل دقيقة، وكان الجزء الأكبر من هذه الاتصالات لوزير الخارجية مع الطرفين الأمريكي، ستيف ويتكوف، والإيراني عباس عراقجي، لنقل الرسائل المتبادلة بين البلدين وتقريب وجهات النظر وتوفيق المواقف.
لقد كان الدور الباكستاني في هذا الملف يركز على التفاوض على نصوص المقترحات العشر الإيرانية والأربعة الأمريكية، بينما كان تركيز الدور المصرى على تقريب وجهات النظر بين الجانبين حول العديد من النقاط الخلافية وتقديم أفكار تخدم هذا الإطار ونقل الرسائل والنقاش حولها، في تنسيق كامل مع الجانب الباكستاني بالتأكيد تناولت الاتصالات الكثير من التفاصيل التي ليس من الممكن الحديث عنها الآن، وربما سيعلن عن بعضها خلال الساعات القادمة مع بدء التفاوض المباشر في «إسلام آباد» بمشاركة مصرية لكن المؤكد أن كافة النقاط المطروحة من الجانبين كانت محل خلاف شديد، وتطلبت جهدا مصريا باكستانيا كبيرا للإقناع بها وسد الفجوة في المواقف بين «طهران» و «واشنطن»، سواء ما يتعلق بوقف الحرب وإنهاء الأعمال العدائية كمبدأ أو الشق النووى والبرنامج الإيراني ونسبة التخصيب لليورانيوم وحرية الملاحة ومصير الأصول الإيرانية المجمدة أو دور إيران في المنطقة خلال الفترة القادمة.
كل هذه موضوعات وملفات طرحت خلال الاتصالات وكانت مهمة «القاهرة» و«إسلام آباد» صعبة في إقناع الطرفين بأى حلول فيها، خاصة أن كل طرف كان متمسكا بموقفه.
الجانب الأمريكى له طبيعة خاصة وقناعات من الصعب أن يغيرها وكان شديد التمسك بشروطه ويرفض التنازل عنها، أما الجانب الإيراني فقد كان حريصا على أن يظل في مشهد المحافظ على موقفه وكرامته وألا يقبل الاستسلام مهما كان الثمن لأنه يرى أن الاستسلام معناه نهايته لكن الأخطر من كل هذا كان هو الموقف الإسرائيلي الرافض للتهدئة، بل حاول بكل السبل تعطيل الاتفاق وإقناع الرئيس الأمريكي بأنه ليس من المصلحة وقف الحرب ضد إيران ولو مؤقتا، وربما كان هذا أحد أسباب تسريع إسرائيل وتيرة الضربات على إيران ولبنان أيضا في الأيام الأخيرة، والذي قابلته إيران بإغلاق مضيق هرمز.
وبمواصلة اعتداءاتها على الدول الخليجية في خطأ كررته كثيرا خلال أيام الحرب، ونتج عن هذا التصعيد في الضربات المتبادلة رفع مستوى التهديدات بين الطرفين الأمريكي والإيراني والوصول إلى تهديد صريح من ترامب بيوم الجحيم، إذا لم تستجب إيران وتفتح مضيق هرمز كان هذا التصعيد هو أعلى مستويات الخطر الذي لا يحتمل تأخير أو تردد فى التحرك، فالعالم كله بدا وكأنه مستسلم لهذا السيناريو وأقصى ما يفعله هو التحذير من تداعياته، وهنا ظهر الذكاء المصرى والباكستاني»، فلم تترك الدولتان فرصة للمحاولات الإسرائيلية أن تنجح، أو أن تفرض رؤيتها المتطرفة لإشعال المنطقة من أجل أهدافها، وإنما بذلت القاهرة وإسلام آباد الجهد ولم تتوقف الاتصالات لساعة واحدة، ما بين ضغوط على طهران من تشجيع لـ «واشنطن والرئيس ترامب على التجاوب والاستماع لصوت العقل والقبول بالحوار الدبلوماسي بدلا من الحرب، وفى هذا الإطار جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى للرئيس ترامب بضرورة المساعدة في جهود وقف الحرب، وأنه الوحيد القادر على ذلك.
كانت هذه الدعوة الرئاسية جزءا مهما من الجهود المصرى التي قادها الرئيس السيسى الذي كان يتابع تطورات الاتصالات بشكل مستمر ويعطى توجيهات دائمة لوزير الخارجية بتكثيفها والتحرك على كل الاتجاهات وعدم ترك ثغرة دون العمل على سدها من أجل الوصول إلى التهدئة.
خلال الاتصالات كان التحذير المصرى الواضح للطرفين الأمريكي والإيراني أننا أمام سيناريو كارثى، وأن التداعيات الكارثية، وخاصة الاقتصادية لن يتحملها أحد في المنطقة أو العالم كله، وأن هناك مسئولية تاريخية سيتحملها الطرفان أمام شعوب العالم إذا لم يستمعا إلى صوت العقل ويوقفا التصعيد سريعا.
والحقيقة أن هذا ما تحقق فى النهاية بفضل هذا الجهد المصرى – الباكستاني الكبير والذي وإن لم تعلن تفاصيله، لكن الأطراف يعرفون جيدا كيف كان تأثيره وكيف أنقذ الإقليم من الدمار والفوضى.
لقد كان هناك حرص مصرى – باكستاني خلال الجهود المبذولة على أن يشعر كل طرف طهران وواشنطن، أنه مسئول عن إنقاذ المنطقة والعالم، وفى الوقت نفسه ألا يشعر أي منهما بأنه خاسر من هذا الاتفاق، وأن من مصلحته أن يتم الانتقال إلى الحوار، بدلا من استمرار الحرب، وهذا فعلا ما تحقق بمهارة شديدة.
وقد جاء الاتصال الأخير الذى تلقاه الدكتور بدر عبد العاطى مساء أول أمس من نظيره الباكستاني محمد إسحاق ليضعه فى الصورة قبل الإعلان الرسمى عن القبول الأمريكي الإيراني بالهدنة لأن باكستان تعلم جيدا ما بذلته القاهرة بشكل سرى وعلنى من أجل هذه اللحظة وأنه لولا هذا الدور ما تم التوصل إلى هدنة.
إن ما أرادته القاهرة وإسلام آباد تحقق وبدأت هدنة الأسبوعين لتنطلق غدًا في العاصمة الباكستانية المفاوضات المباشرة وفق ما تم الاتفاق عليه من أجل تمديد الهدنة والانتقال إلى سلام دائم، لكن بالتأكيد هذا لا يعنى انتهاء دور الوسطاء بل يمكن القول إن هذا الدور بدأ مرحلة جديدة لها أهداف محددة وتحديات أخطر.
أولها منع إسرائيل من تحقيق مخططها الذي تسعى إليه بالعودة إلى الحرب مرة أخرى في إشعال الوضع من جديد وهذا أمر ليس مستبعدا، فاتفاق الهدنة ليس على هوى نتنياهو ولم يكن يقبله، وإنما فرض عليه، والمؤكد أن فترة الأسبوعين القادمين ستشهد محاولات مختلفة من تل أبيب للتعطيل، سواء بارتكاب أعمال تستفز إيران أو محاولة جر الإدارة الأمريكية مرة أخرى للحرب تحت أي مبرر وهذا ما يتطلب يقظة مصرية – باكستانية واستمرار في التواصل ومتابعة تطورات التفاوض الذى يجب أن يسير بما يطمئن الطرفين على أنه لصالحهما وأنهما يسيران في الاتجاه الصحيح وأنهما فى الطريق إلى تحقيق إنجاز تاريخي سيذكره لهم الجميع.
الثاني توفير الأجواء المناسبة للتفاوض ليس فقط حول وقف الحرب كهدف مهم وإنما حول القضايا التى تمثل سببا جوهريا في الأزمة مثل الملف النووى وقضية تخصيب اليورانيوم وكذلك مستقبل وطبيعة الدور الإيراني في المنطقة وموقف مضيق هرمز.
الثالث التأكيد على ضمان حرية الملاحة بشكل كامل والتزام كل الأطراف بها حماية للمصالح الدولية. الرابع البحث عن صيغة تضمن عدم تكرار سيناريو الأسابيع الماضية، وأن تكون القاعدة هي الحوار السياسى وليس الصراع أو الصدام العسكرى، الذى لا يفيد أحدا، بل يشعل الإقليم بالكامل.
وأخيرًا أن الاعتراف الأمريكى والدولى بالدور المصرى، وأنها كانت عنصرا أساسيا في التوصل إلى وقف إطلاق النار يؤكد حجم ما بذلته «القاهرة» من جهد كدولة وليس الخارجية فقط من أجل تحقيق الهدف.. كما أن نجاح القاهرة و«إسلام آباد فى الوصول إلى هذه المرحلة هو نتاج جهد مشترك مخلص وإيمان بأهمية السلام في استقرار المنطقة وتجنيبها خطر التصعيد وكذلك حرص مصر الدائم على التعاون والعمل المشترك مع أي طرف يسعى من أجل وقف الصراعات، وتحقيق السلام.
والمؤكد أن مصر ستواصل جهودها مع كل الشركاء حتى يتحقق حلم الوقف الكامل للحرب.
وكما أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى على صفحته الرسمية ترحيباً بهذا الاتفاق فإنه سوف يستمر في بذل كل جهد صادق ومخلص يهدف إلى إنهاء الصراعات وإرساء السلام العادل والشامل في المنطقة بل في العالم بأسره.
هكذا كان وسيظل الدور المصرى من أجل إنقاذ المنطقة بالكامل وتحقيق السلام.
ومهما حاول المتربصون تشويه هذا الدور فإن الجميع يعرفون ويقدرون مصر ودورها وتأثيرها.