عروس الصعيد المنيا، وعلى مدار مئات السنين، ظل شم النسيم يحتفظ بسحره وروحه بين البيوت والحقول..من «دَشّْ» البصل على عتبات البيوت والغرف لطرد الشياطين، إلى الاستحمام بنبات «الرعريع» للتبارك والشفاء، مرورا بأكل «الملانة» وتوزيع الفطير، يواصل الأبناء والأحفاد إحياء طقوس ورثوها عن الأجداد، كأن الزمن لم يمر.
عيد الربيع أو شم النسيم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل لحظة تتجمع فيها العائلة والأصدقاء، تعيد للأجيال شعور الانتماء والفرح المشترك.. الأكلات التقليدية، مثل: الفسيخ، والبيض الملون، والبليلة، والفطير، والترمس، والملانة، ليست مجرد أطعمة، بل رموز حية لعادات وتقاليد متوارثة، تحمل بين تفاصيلها رسائل التفاؤل والحماية والتبارك والخير.
بين المتنزهات والشواطئ، وبين ضحكات الأطفال ولعبهم، وبين طقوس البيوت القديمة، يظل شم النسيم فى الصعيد عموماً ، وعلى الخصوص فى المنيا مناسبة تتحدى الزمن، وتؤكد أن التراث المصرى الأصيل ما زال حيا، يتنفس فى كل ركن، كما كان منذ قرون، بروح الفرح والمشاركة والعادات الرمزية التى لا تموت.
وفاء راشد ميخائيل تستعد لاستقبال شم النسيم من خلال ترتيبات خاصة حيث تحرص كل عام على جمع أبنائها وأحفادها والتوجه إلى الحقل بالصباح الباكر، ويصطحبون معهم أطعمة البيض المُلون والفسيخ والأسماك، والجبن والعيش البلدى، والبتاو، والبصل، ويفترشون الأرض للاستمتاع بالأجواء فى الهواء الطلق ويقومون بشواء سنابل القمح وأكلها..تضيف وفاء أنها تحافظ على بعض المعتقدات الشعبية المتوارثة، إذ تقوم صباح يوم العيد بكسر بصلة كبيرة على باب المنزل العمومى اعتقادا منها أنها تحمى البيت عامًا كاملاً من الشرور وتجلب الخير والسلام لأفراد الأسرة طوال العام، مشيرة أن هذه العادة ورثتها عن والديها وأجدادها، وحرصت على نقلها لأبنائها وأحفادها، موضحة أنهم يعلقون سنابل القمح على عتبة المنزل، باعتبارها رمزا للخير وبداية عام جديد يحمل البركة والرزق والخير
فيما أكد مصطفى عبدالهادى على مدير بالتربية والتعليم ورائد الخط العربى بالمنيا، أن الاحتفال بشم النسيم ليس مجرد مناسبة عابرة، بل جزء أصيل من حياة المجتمع، وأن العيد يمثل لحظة تتجمع فيها العائلة والأصدقاء، ويعيد للأجيال شعور الترابط والمشاركة، موضحا أن الطقوس والعادات الشعبية التى تصاحب هذا اليوم تحمل بين طياتها رسالة استمرار للتراث المصرى الأصيل، وتتصدر المأكولات الشعبية قائمة احتفالات العيد فى كل بيت مصري، ويأتى فى مقدمتها البيض الملون، والترمس والحمص الأخضر، والبليلة، والفطير، وورق العنب.
أشار عبد الهادى أن هذه المأكولات ليست مجرد أطعمة، بل رموز عادات وتقاليد متوارثة منذ أجيال، وأن عاداتهم وتقاليدهم من قديم الزمن وحتى الآن، مثل مأكولات شم النسيم، من فسيخ، وبيض ملون، وبليلة، وترمس وحمص، ولم تقتصر الطقوس على المأكولات فقط، بل شملت بعض العادات الرمزية التى تحمل دلالات تفاؤلية، نثل الفطير المشلتت، حيث نصنعه كل عام ونوزعه على الجيران، وهذه الطقوس تعزز روابط الجيرة والمجتمع، وتعيد الروح التقليدية للاحتفال.
سعيد إبراهيم عبد الموجود، مدير عام بالمعاش، يوضح أن الاحتفال بشم النسيم يجمع بين العادات القديمة والأنشطة الحديثة، موضحا أنه يقضى اليوم مع أبنائه فى المتنزهات والشواطئ، للاستمتاع بالخضرة والطبيعة ومشاركة الأطفال الفرح واللعب، بينما تبقى المأكولات التقليدية والمشروبات الطبيعية رمزا لاستمرار التراث المصرى الأصيل، مثل «دش البصل الأبيض الكبير» المعروف بـ«بصل التقالى» على عتبة كل غرفة بالمنزل، اعتقادًا بأنه يمنع الأعمال الشيطانية ويجلب الفرح والخير لأهل البيت، كما تقوم الأم بتجهيز نبات الرعريع ووضعه فى الماء ليستحم الأطفال به، فى طقس رمزى مستوحى من قصة سيدنا أيوب عليه السلام، بعدما مَرَّ بمحنة قاسية بسبب المرض ونجاه الله وشفاه، ويؤمن الأهالى أن استخدام الرعريع يجلب البركة فى الماضي، لتظل هذه العادات حية ومتوارثة عبر الأجيال.
إضافة إلى أكل نبات الملانة «الحمص الأخضر» الذى يشبه قرون الفول الأخضر، والذى يعتبر رمزا لجلب الخير والطاقة الإيجابية، مضيفاً أن هذه العادات تحمل معانى تفاؤلية وروحية، قائلا: الريحة دى تمنع الأعمال الشيطانية وتجلب للإنسان الخير والسرور، ونحن ما زلنا مستمرين فى هذه العادات من باب التفاؤل وطرد الشياطين.
يشير عبدالموجود إلى أن الأطفال يشاركون هذه الطقوس منذ الصغر، حيث يقومون بالمرور فوق العتبة التى عليها بصل، ويتركونه حتى نهاية اليوم، وهذه الممارسة تزرع شعورا بالتفاؤل والأمان. وهذه العادات ما زالت حية رغم مرور الزمن، فهى عادات متوارثة.
تكشف الحاجة سعاد فرغلى أن توزيع الفطير على الجيران والأحباب جزء أصيل من عيد شم النسيم، يعكس روح المشاركة والمحبة بين الأسر. ومع ارتفاع الأسعار فى السنوات الأخيرة، أصبح من النادر إعداد الفطير بكميات كبيرة للتوزيع، فتكتفى الأسر بصنعه لنفسها فى المنزل، ورغم ذلك تحرص العائلات على الحفاظ على هذا التقليد جنبا إلى جنب مع تناول الحمص والترمس والفسيخ، لتظل هذه العادات الرمزية متوارثة عبر الأجيال، وتستمر فى إحياء التراث فى كل بيت خلال العيد.
يقول أبو المكارم عبد الغنى موظف بالمعاش، إن الاحتفالات بشم النسيم لا تكتمل دون تعليق البصل والثوم على أبواب المنازل والبلكونات، اعتقادا بأنها تجلب الخير وتطرد الحسد، فيما يؤكد شرف محمد مدير مدرسة أن هذه الاحتفالات تقليد يعكس حرص الأجداد على الجمع بين الاحتفال بالعيد والحفاظ على الموروث الشعبي، كما نحرص على تناول ورق العنب بجانب الفسيخ والبيض الملون والورد والبليلة والترمس.









