لا تبدو الحياة في العاصمة المصرية القاهرة بعد الساعة التاسعة مساءً أقل حيوية مما كانت عليه قبل قرار ترشيد استهلاك الطاقة في البلاد، فمصر هي ذاتها مصر من قبل ومن بعد، وإذ تنطفئ أنوار الشوارع، فإني أحسب أن المدينة صارت أكثر جمالاً، “وكل البلاد مرايا” وما المدن إلّا مرآة شعوبها..
عند التاسعة مساءً؛ لن تصمت أم كلثوم وستكمل جملتها الغنائية “عندي لك أجمل هدية. كلمة. كلمة الحب اللي بيها تملك الدنيا وما فيها”، وعند التاسعة سيضيء المصريّ جذع الشجرة ويحوّله الى مقهى لأي عابر، وسيخترع ليلاً جديداً يليق بروحه الجميلة..
وعند التاسعة مساءً لن يتوقف النيل عن الجريان، ولن يضيّع المصريّ درب الرجوع إلى بيته، ذلك أنه يعرف الطريق كما يرى خطوط يديه، وبعد التاسعة ستنهض في الشوراع حياة متجددة..

وقبل أن تبلغ الساعة التاسعة ألحّ صديقي وليد الاصبحي أن يعزمني على مقهى “الكوخ” وهو مقهى ثقافي أسّسه مجموعة من الشباب والشابات المصريين في بيت الفنان المصري إسماعيل ياسين تخليداً لذكرى هذا الفنان النبيل، ومما قرأت مقطعاً من قصيدة لمحمود درويش يقول فيها: كأن يديك المكان الوحيد/ كأن يديك بلد/ آه من وطن في جسد”..
إنها التاسعة ليلاً، ومصر هي ذاتها مصر: حب، وذكريات، وناس، وضحك، وحزن، وألمٌ يختبئ بحذر شديد غير متباهٍ بالجروح.









