يوم الخميس الماضي، نشر محمد جواد ظريف، وزير الخارجية الإيراني السابق، مقالاً في دورية “فورين أفيرز”، دعا فيه الجمهورية الإسلامية إلى “إعلان النصر” في الحرب الحالية، ومن ثم الدخول في مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة وإقامة علاقات معها تنهي بها العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
حيثيات النصر التي يريد تسويقها للرأي العام في إيران هي أن البلاد صمدت أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية ولم تستسلم، ولم يتمكن العدو من الغزو البري للبلاد. الواضح أن ظريف يبحث عن مخرج آمن وكريم لبلاده من تلك الحرب المروعة، خاصة أن الحرب أدت إلى انكشاف النظام داخل إيران؛ فحجم الاختراق المخابراتي لهم مخيف، حتى إنهم وصلوا بسهولة ويسر إلى اجتماع المرشد الأعلى الراحل ومعه كبار المسؤولين بالدولة، ثم توالى الانكشاف باغتيال كبار الشخصيات في إيران، خاصة كبار القادة العسكريين والأمنيين.
وليس غريباً أن يصدر ذلك المقال عن جواد ظريف؛ فالرجل كان مهندس الاتفاق النووي بين بلاده والإدارة الأمريكية في زمن الرئيس باراك أوباما سنة 2015، وهو الاتفاق الذي قام الرئيس دونالد ترامب بإلغائه فور توليه الإدارة في الفترة الأولى.
والواضح أن جواد ظريف، الذي يُعد وجهاً مقبولاً لدى الولايات المتحدة ولا يفضله “صقور” الحرس الثوري، كان يضع في ذاكرته “الحالة العراقية” سنة 2003 وهو ينصح المسؤولين في بلاده، حيث انهار تماسك الجيش العراقي سريعاً واختفى كبار المسؤولين بدءاً من الرئيس صدام حسين نفسه، وتم غزو العراق برياً واحتلاله حرفياً، وقامت الولايات المتحدة وقتها بتعيين حاكم عام للعراق هو “بول بريمر”. وقبل اختفاء رموز الدولة العراقية بأيام، لم يكن قد بقي منها سوى صوت الراحل محمد سعيد الصحاف، وزير الإعلام، الذي كان يطلق التصريحات الحادة والطريفة معاً، وتبين فيما بعد أن الرجل كان يتكلم بدافع وطنيته وإخلاصه لبلده فقط، فقد انقطعت صلته بالقيادة التي كانت قد انهارت بالفعل وفي طريقها للتآكل.
قياساً على هذه الحالة، وفي نظر محمد جواد ظريف، يمكن أن تُعد إيران منتصرة؛ فهناك مرشد أعلى جديد، مختفٍ وأقرب إلى الشبح، لكنه موجود وتصدر التوجيهات العليا باسمه، وهناك الرئيس مسعود بزشكيان يتحرك، وكذا وزير الخارجية الذي لا يتوقف عن إصدار التصريحات ما بين الرغبة في التهدئة مرة والتحدي مرة أخرى.

اقتراح جواد ظريف لم يجد في إيران، حتى كتابة هذه السطور، أذناً صاغية، لكنه لم يُقابل بهجوم أو استنكار، وهذا قد يعني أن ثمة تحركاً ما تحت السطح وبعيداً عن الإعلام والرأي العام، لكن الفكرة نفسها تفتح الباب على تعريف ومعنى النصر والهزيمة في الحروب.
في يونيو سنة 1967، امتلك الرئيس جمال عبد الناصر شجاعة الاعتراف في خطاب عام أمام شعبه بالهزيمة، أسماها “نكسة” وكان ذلك يوم التاسع من يونيو، لكنه في خطاب ثانٍ يوم 23 يوليو سنة 1967 أسماها “هزيمة”. وفي الاجتماعات المغلقة استعمل عبد الناصر كلمات بالغة القسوة والحدة، ومن منطلق إدراكه للهزيمة قام بإجراء العديد من التغييرات في هيكل القيادة وبدأ خطوات إصلاحية جادة في العديد من المجالات.


في نفس الحرب، يونيو 1967، تم تدمير الجيش السوري وجرى احتلال الجولان، وأصبح الطريق منها مفتوحاً أمام العاصمة السورية دمشق؛ ورغم هذا كله أعلن رئيس الوزراء السوري أن بلاده انتصرت في الحرب ولم تُهزم.
حيثيات النصر لديه أن هدف العدوان لم يكن الجولان التي سقطت بسهولة (أو سُلمت)، بل كان هدف العدوان إسقاط الثورة السورية، وبما أن الثورة لم تسقط وظلت صامدة في مواقعها، فقد اعتبر سقوط الجولان أمراً بسيطاً لا يستحق التوقف عنده. ولما كان بعض المثقفين السوريين يتحدثون عن هزيمة يونيو، فإنهم يذكرونها بالنسبة لمصر وعبد الناصر في المقام الأول.
وفي حرب العام 2006 بين إسرائيل وحزب الله بقيادة حسن نصر الله، انتهت الحرب بأن أعلن كل طرف الانتصار. السيد نصر الله أكد أن المقاومة حققت “نصراً إلهياً”، وهو لم ينكر أن الجنوب اللبناني تعرض للتدمير، بل إنه في تصريح اعتُبر شجاعاً، ذكر أنه لو كان يعلم حجم الدمار الذي لحق بالجنوب لما أمر رجاله بالعملية التي فجرت الحرب.
حيثيات النصر لديه -رغم هذه الخسائر- كانت أنهم ألحقوا خسائر في صفوف العدو، ومنعوا قواته من التقدم إلى الداخل اللبناني. ولم يكن لدى أحد الاستعداد للتساؤل: هل كان التقدم إلى الداخل هدفاً لدى إسرائيل أم أنهم يتجنبون تلك الخطوة؟ وهل سقوط عدد من الأفراد في صفوف العدو (يُعدون على أصابع اليدين) يبرر سقوط عدة آلاف من المواطنين ما بين مصاب وشهيد؟ وهل تدمير جزء كبير من العاصمة يكفي؟
على الجانب الآخر، رأت الحكومة الإسرائيلية أنها حققت انتصاراً، إذ أبعدت التهديدات عن حدودها، وأمّنت سكان الشمال بأن أبعدت قوات حزب الله إلى منطقة الليطاني. وصفق الرأي العام في العالم العربي للسيد حسن نصر الله، كما صفق الكنيست للحكومة الإسرائيلية ومعه قطاع واسع من الرأي العام.

عادة ما يكون إعلان النصر إعلاناً لانتهاء الحرب، وربما الجلوس على مائدة المفاوضات. والواضح أن هذا ما يتمناه وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف؛ خروجاً مشرفاً لبلاده من القتال وإنقاذاً لما تبقى داخل البلاد من تدمير. الأهم من ذلك هو الحفاظ على النظام القائم كي يقوم بالتفاوض، بينما استمرار القتال يقود عملياً إلى تآكله وربما الاندثار التام.
ولعل ظريف لاحظ أن الرئيس دونالد ترامب، على غير المعلن، لا يريد الخلاص من النظام، بل أراد فقط إزاحة بعض الرؤوس التي رآها متشددة، وقد فعل ذلك بما سمح بتقدم أسماء وجيل جديد من داخل النظام. الحفاظ على النظام هدف مشترك؛ لأن البديل ليس واضحاً ولا جاهزاً، فقد يكون البديل من حزب “تودة” اليساري الذي لا تقبل به الولايات المتحدة وتفضل نظام الملالي عليه، وقد يكون البديل وطنياً/قومياً على غرار الزعيم الراحل محمد مصدق وترفضه تماماً الولايات المتحدة.
هم يريدون ذلك النظام، وما حدث هو أقرب إلى “فركة أذن” على الطريقة الأمريكية. ويبقى في النهاية النصر نسبياً؛ يحق لكل طرف أن يعلنه وينسبه لنفسه، المهم أن يصدق هو ذلك ويعلن أتباعه الانتصار. حدث ذلك كثيراً طوال التاريخ الإنساني في منطقتنا وحول العالم.









