مع اقتراب انتهاء المهلة التى حددها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت الساعات القليلة المقبلة ستحمل انفراجة دبلوماسية أم تمهّد لمرحلة أكثر حدة فى الصراع مع إيران. فالموعد الذى ينتهى غداً لا يمثل مجرد محطة زمنية، بل يعكس أسلوبًا متكررًا فى السياسة الأمريكية يقوم على توجيه «إنذار نهائي» مصحوب بتهديدات صريحة باستخدام القوة.
ترامب، الذى صعّد لهجته خلال الأيام الماضية، ربط بين فتح مضيق هرمز والتوصل إلى اتفاق ينهى التصعيد، محذرًا من أن عدم الاستجابة سيقابَل بضربات تستهدف البنية التحتية للطاقة والكهرباء داخل إيران. ومع بقاء ساعات محدودة على انتهاء المهلة، تبدو المنطقة أمام اختبار جديد لمدى جدية هذا التهديد.
غير أن هذا النمط من «الإنذارات النهائية» ليس جديدًا على الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل يُعد إحدى الأدوات التقليدية فى إدارة الأزمات الدولية. ويعتمد هذا الأسلوب على فرض شروط محددة خلال إطار زمنى ضيق، مع التلويح بتصعيد عسكرى فى حال عدم الامتثال، وهو ما يمنح واشنطن مساحة للضغط السياسى قبل اللجوء إلى القوة.
وقد شهد التاريخ الحديث عدة أمثلة بارزة على هذا النهج. ففى مطلع تسعينيات القرن الماضي، وجّه جورج بوش الأب إنذارًا إلى صدام حسين للانسحاب من الكويت، مدعومًا بمهلة حددها مجلس الأمن الدولي. ومع انتهاء المهلة دون تنفيذ المطالب، بدأت عملية عاصفة الصحراء، التى شكلت نقطة تحول فى موازين القوى الإقليمية.
وفى أعقاب هجمات 11 سبتمبر، استخدم جورج بوش الابن النهج ذاته، حين منح حركة طالبان مهلة لتسليم أسامة بن لادن.. وحتى قبل ذلك، خلال أزمة الصواريخ الكوبية، استخدم جون كينيدى صيغة قريبة من الإنذار النهائي، مهددًا الاتحاد السوفيتى بمواجهة عسكرية إذا لم يسحب صواريخه من كوبا. ورغم حدة الموقف، نجحت تلك الضغوط فى تحقيق تسوية دبلوماسية جنّبت العالم صدامًا نوويًا.
فى هذا السياق، يمكن قراءة تحركات ترامب الحالية كامتداد لهذا الإرث السياسي، حيث يُستخدم عامل الوقت كوسيلة ضغط، إلى جانب التهديد العسكري، لدفع الخصم نحو التراجع أو تقديم تنازلات. غير أن خصوصية الحالة الإيرانية تجعل هذه المعادلة أكثر تعقيدًا، إذ تمتلك طهران أدوات رد متعددة، من بينها موقعها الجغرافى الحيوى وقدرتها على التأثير فى حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
فى المقابل، لم تُظهر إيران حتى الآن مؤشرات واضحة على الاستجابة، ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات. فقد تسعى طهران إلى كسب الوقت عبر قنوات دبلوماسية غير معلنة، أو قد تختار التصعيد المضاد، سواء عبر تهديد الملاحة فى الخليج أو استهداف مصالح أمريكية فى المنطقة.
ومع تضاؤل الوقت، تبدو الساعات الأخيرة حاسمة فى تحديد المسار المقبل. فإما أن ينجح الضغط فى انتزاع تنازلات، كما حدث فى بعض الأزمات السابقة، أو أن ينتهى الأمر بتكرار سيناريوهات أخرى تحولت فيها الإنذارات إلى شرارة لحروب مفتوحة.
يعكس هذا المشهد حقيقة ثابتة فى السياسة الدولية، وهى أن -الإنذار النهائي- يظل أداة مزدوجة؛ قد يفتح الباب أمام تسويات سريعة، أو يقود إلى مواجهات يصعب احتواؤها. وبين هذين الاحتمالين، تقف المنطقة والعالم فى حالة ترقب، بانتظار ما ستسفر عنه الساعات القليلة المقبلة.









