
يجب تقليل الاعتماد على الخارج ورفع كفاءة الإنفاق العام وتطبيق سياسات الترشيد بصرامة
الاقتصاد المصرى كان من بين أكثر الاقتصادات تأثرًا بتداعيات هذا الصراع بحكم طبيعته الهيكلية التى تعتمد بدرجة كبيرة على الخارج فى توفير الاحتياجات الأساسية
التعامل مع هذه المرحلة الدقيقة يتطلب قدرًا كبيرًا من الوعى والمرونة، والاعتماد على سياسات رشيدة بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادى والحفاظ على المكتسبات التنموية
القيادة المصرية أكدت أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى فى موقف يعكس ثبات نهج السياسة المصرية تجاه أشقائها.. وأن مصر ستظل دائمًا وأبدًا إلى جانبهم
صفًا واحدًا
يُتوقع أن يشهد الاقتصاد العالمى نتيجة هذه الحرب، تباطؤًا ملحوظًا في معدلات النمو وربما انكماش فى عدة اقتصادات نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وهروب الاستثمارات
الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتى اندلعت فى مطلع هذا العام، لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد صراع عسكرى أو جيوسياسى محدود النطاق، يؤثر فقط على الأطراف المتصارعة، بل إن آثارها سوف تمتد لتعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمى، وتغير كافة المؤشرات الاقتصادية. فعالم اليوم يشهد تعقّد شبكة المصالح الدولية وترابط الأسواق، ومن ثم فإن مثل هذه الصراعات فى عصرنا الحالى دائمًا ما تمتد آثارها السلبية إلى كل اقتصادات العالم، سواء المتقدمة منها أو النامية، لتفرض على العالم كله تحديات غير مسبوقة. ومن المتوقع أن تزداد حدة هذه الآثار كلما طال أمد الحرب دون تحقيق الأهــداف المعلنــة لأطرافــها. وما حدث للاقتصاد العالمى خلال وبعد أزمة جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية منذ عام 2022 والمستمرة حتى يومنا هذا، ثم الحرب فى غزة التى بدأت فى 2023، ليس ببعيد، وهو خير شاهد على مدى التأثر الذى تُحدثه مثل هذه الأزمات على الاقتصاد العالمى.
من هنا جاءت دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسى للأطراف المتصارعة بضرورة الانتهاء من هذه الحرب واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية، وخصوصًا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذى يملك في يده مفتاح إنهاء هذه الحرب المستعرة، نظرًا لما سوف يتسبب فيه استمرارها من كوارث اقتصادية ستؤثر على كل دول العالم بلا استثناء. وإذا طال أمد هذه الحرب، التى دخلت فى شهرها الثانى، فمن المرجح بقوة أن تُفضي إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية التي ستتفاقم يومًا بعد يوم، وفي مقدمة هذه التداعيات حدوث موجة تضخمية عالمية حادة، بسبب الارتفاع الكبير المتوقع في أسعار الطاقة نتيجة غلق مضيق هرمز. وستزداد الكارثة التضخمية إذا تم تنفيذ التهديدات المتبادلة بضرب مصافي البترول في إيران ودول الخليج، وما يترتب على ذلك من زيادة مباشرة في تكاليف الإنتاج والنقل لسلعة استراتيجية هي النفط، كما ستتأثر أسعار الغاز بالمثل. وفي حال حدوث ذلك، فلن يقتصر الأمر على أسعار الطاقة وحدها، بل سيمتد أيضًا إلى أسعار الغذاء، إذ يمر عبر مضيق هرمز ما يقرب من 30 % من الأسمدة المستخدمة في الزراعة، واستمرار غلقه سيؤدي إلى ارتفاع أسعارها وتكاليف نقلها، مما ينعكس بدوره على أسعار السلع الاستراتيجية كافة، ويزيد من حدة الضغوط التضخمية.
وبالإضافة إلى التضخم، يُتوقع أن يشهد الاقتصاد العالمي، نتيجة هذه الحرب، تباطؤًا ملحوظًا في معدلات النمو، بل وربما انكماش في عدة اقتصادات، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهروب الاستثمارات بسبب حالة عدم اليقين التي تفرضها الحرب. كما أن التصريحات اليومية المتضاربة للرئيس الأمريكي ترامب تدفع الشركات الكبرى إلى تأجيل خطط التوسع، وتدفع الأفراد إلى تقليص الاستهلاك. وقد علمتنا تجربة جائحة كورونا أن اضطراب سلاسل الإمداد يصاحبه ارتفاع في تكاليف التمويل، مما يؤدي إلى تراجع القدرة الإنتاجية وانخفاض معدلات التشغيل.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تُسببها هذه الحرب، فمن المرجح أن ترتفع معدلات البطالة عالميًا، مع تراجع نشاط العديد من الصناعات والخدمات، خاصة تلك المرتبطة بالتجارة الدولية والطاقة والنقل. كما أن السياسات التجارية لترامب، وحروبه التجارية مع الصين وعدة دول، من خلال فرض التعريفات الجمركية، سوف تزيد الوضع تعقيدًا. وكل ذلك سيترتب عليه ارتفاع معدلات الفقر، واتساع الفجوة بين الفئات الاجتماعية، لا سيما في الدول النامية التي لا توفر شبكات أمان اجتماعي قوية.
وتُدرك الدولة المصرية وقيادتها السياسية أن استمرار هذه الحرب لا يقتصر خطره على تهديد الاستقرار السياسي في المنطقة وإعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية بما قد يصب في مصلحة إسرائيل، بل يتجاوز ذلك إلى احتمال اندلاع أزمات اقتصادية عالمية مركبة، تكون تأثيراتها أشد وطأة على الاقتصادات الناشئة مقارنة بغيرها. ومن ثم، فإن تجنب وقوع هذه الأزمات يتطلب تحركًا دوليًا واعيًا ومسؤولًا لاحتواء تداعيات الحرب قبل أن تنزلق إلى مستويات أكثر خطورة وتعقيدًا.
وانطلاقًا من هذا الفهم العميق لتداعيات الحرب الجارية، حرصت الدولة المصرية منذ اللحظة الأولى على القيام بدور الوسيط السياسي، الذي يسعى إلى احتواء التصعيد وإنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن، تجنبًا لمزيد من التدهور في الأوضاع السياسية والاقتصادية على السواء. فالمتابع للأحداث يلحظ أن مصر قد كثّفت من جهودها الدبلوماسية، وأجرت اتصالات متعددة مع عدد من الأطراف الإقليمية والدولية، بهدف الحد من التوتر، ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة قد تخرج عن السيطرة، وتؤدي إلى تداعيات كارثية تأكل الأخضر واليابس.
ومن هنا جاءت دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى نظيره الأمريكي دونالد ترامب لتحمّل مسؤولياته في إنهاء هذه الحرب، انطلاقًا من حقيقة يدركها الجميع، وهي أن الولايات المتحدة تمتلك من أدوات التأثير ما يمكّنها من احتواء الأزمة ووقفها بشكل فوري. وتعكس هذه الدعوة الحكيمة رؤية مصرية راسخة، ودورًا تاريخيًا يسعى دائمًا إلى تغليب منطق التهدئة والحلول السياسية على منطق التصعيد والمواجهات العسكرية. فاستمرار هذه الحرب يهدد الاستقرار الإقليمي والدولي، ويُفاقم الأعباء الاقتصادية التي تتحملها شعوب العالم كافة.
ويقوم الموقف المصري من هذه الحرب، ومن مختلف التوترات الجيوسياسية التي شهدتها السنوات الأخيرة، على إدراك عميق للدور والمسؤولية التاريخية لدولة بحجم مصر، وعلى وعي بحجم التحديات الخطيرة، وسعي جاد للحفاظ على توازن المنطقة سياسيًا، وحماية الاقتصاد العالمي من تداعيات صراع مرير يهدد الاستقرار الاقتصادي والمعيشى للدول والشعوب.
تأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكى
هناك فرضية راسخة في التفكير الاستراتيجي لدى عدد غير قليل من صانعي السياسة الأمريكية تقوم على فكرة أن الولايات المتحدة، بحكم قوتها الصلبة العسكرية والاقتصادية، قادرة على الخروج بمكاسب نسبية من الحروب التي تشترك فيها، حتى وإن بدت تكاليفها مرتفعة. وتستند هذه الفرضية إلى تصور أن عبء هذه التكاليف سوف يتحمله الآخرون بدرجات أكبر، سواء خلال مراحل الصراع أو في تداعياته اللاحقة. غير أن الحرب الحالية تطرح تساؤلًا جوهريًا وهو هل ستتمكن الولايات المتحدة هذه المرة من تحقيق مكاسب اقتصادية فعلًا كما يراهن بعض دوائر صنع القرار فيها، أم أن هذه الحرب مختلفة، وقد تقود إلى نتائج تختلف عن الحروب السابقة، تجعل الولايات المتحدة ضمن الأطراف الخاسرة من الحرب؟
حتى الآن، تشير معظم المؤشرات الاقتصادية الأولية إلى أن تداعيات الحرب ستكون مريرة على الجميع، وقد بدأت بالفعل في إحداث صدمات قوية في الاقتصاد العالمي بسبب إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 % من إمدادات الطاقة العالمية. وقد أدى هذا الإغلاق إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، حيث تجاوز سعر البرميل 120 دولارًا، مع توقعات بمزيد من الارتفاع في حال استمرار التوترات. ولم تقتصر الآثار على قطاع الطاقة، بل امتدت إلى أسواق الأسمدة والغذاء، كما ذكرنا، نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد. وقد تزامنت هذه الموجة التضخمية مع تباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان سيناريو «الركود التضخمى» الذي صاحب جائحة كورونا، حيث تتداخل الضغوط السعرية مع ضعف النشاط الاقتصادي، وهو وضع بالغ التعقيد، وعلاجه صعب ومؤلم، كما حدث في بعض الأزمات السابقة. ويُعد الركود التضخمي من أصعب التحديات الاقتصادية التي قد تواجه صانعي السياسات الاقتصادية.
ولم يكن الاقتصاد الأمريكى بمنأى عن هذه التداعيات أبدًا، حيث ظهرت خلال الأسابيع الأولى من الحرب مجموعة من التحديات، مثل زيادة معدلات التضخم التي فرضت ضغوطًا إضافية على المستهلك الأمريكى، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعًا في أسعار الفائدة طويلة الأجل، نتيجة تراجع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، وزيادة الإنفاق على الأنشطة الدفاعية على حساب توجيه الموارد إلى الأنشطة الإنتاجية. ومن زاوية أكثر أهمية، فإن استمرار حالة عدم اليقين التي نعيشها بسبب إطالة أمد الحرب والتصريحات المتضاربة لترامب ينعكس سلبًا على مناخ الاستثمار، حيث تميل الشركات إلى تأجيل قراراتها الاستثمارية، ويميل المستثمرون إلى الحذر، وهو ما قد يؤدي إلى تراجعات إضافية في أسواق الأسهم والسندات في البورصة الأمريكية.
وفي ضوء ذلك، يبقى التساؤل مطروحًا حول مدى قدرة الولايات المتحدة على تحويل هذه الحرب إلى مكاسب اقتصادية. فبينما قد تحقق بعض القطاعات، كالصناعات الدفاعية، مكاسب قصيرة الأجل، فإن الصورة الأكبر لحالة الاقتصاد تبدو أكثر تعقيدًا. فإذا استمرت الحرب لفترة طويلة، وأدت إلى اضطرابات عميقة في اقتصادات دول الخليج، التي تمثل أحد الأعمدة الرئيسية في سوق الطاقة العالمي، فإن ذلك قد يؤدي إلى اختلالات واسعة في الاقتصاد الدولي، تنعكس سلبًا على الجميع، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها.
ومن ثم، فإن الرهان على تحقيق الولايات المتحدة مكاسب اقتصادية من هذا الصراع قد يكون رهانًا خاسرًا، فاتساع نطاق الأزمة وتعقّد تداعياتها قد يحولان دون تحقيق تلك المكاسب التي يعتقدون أنهم قادرون على تحقيقها، بل قد يؤديان في النهاية إلى خسارة اقتصادية كبيرة، فلم يعد من السهل على أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تعزل نفسها عن تبعات أزمة كبرى مثل الأزمة الحالية.
تأثير الحرب على الاقتصادات الخليجية
بعد أن قامت إيران باستهداف مواقع حيوية داخل عدد من دول الخليج الشقيقة، بمبرر وجود قواعد عسكرية ومؤسسات اقتصادية أمريكية على أراضيها، بدلًا من الاكتفاء بتوجيه ضرباتها إلى أطراف النزاع المباشرة، سارعت الدولة المصرية إلى إدانة هذه الاعتداءات إدانةً شديدة وواضحة. وأكدت القيادة المصرية أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، في موقف يعكس ثبات نهج السياسة المصرية تجاه أشقائها في محيطها العربي. كما قام فخامة الرئيس المصري بجولة خليجية لعدة دول، كان الهدف المعلن منها دعم الأشقاء، وطمأنتهم بأن مصر ستظل دائمًا وأبدًا إلى جانبهم صفًا واحدًا ويدًا بيد في مواجهة أي اعتداءات خارجية، مهما كان مصدرها أو مبرراتها.
وفي واقع الأمر، فإن ما تتعرض له دول الخليج من اعتداءات غير مبررة يُعد من أخطر وأشد تداعيات هذه الحرب. فقد أصابت الصواريخ الباليستية الإيرانية العديد من البنى التحتية الحيوية، متسببة في أضرار جسيمة طالت عددًا من المنشآت الاقتصادية. وعلى صعيد التأثيرات الاقتصادية المباشرة لهذه الحرب، فقد وجدت الدول الخليجية نفسها أمام معادلة معقدة، فبينما يُعد ارتفاع أسعار النفط فرصة لزيادة الإيرادات، فإن ارتفاع أسعار الغذاء من جانب، وتعطل الصادرات من جانب آخر، وتصاعد المخاطر الجيوسياسية، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها عوامل تؤدي إلى تقليص هذه المكاسب، وتفرض ضغوطًا إضافية على استقرار الاقتصادات الخليجية وخططها التنموية.
ومن زاوية أكثر خطورة، تظل مصافي النفط والمنشآت البترولية في دول الخليج عرضة لتهديدات مباشرة بالتدمير، في حال أقدمت الأطراف المتصارعة على تنفيذ تهديداتها واستهداف هذه المواقع الحيوية. ومما لا شك فيه أن أي تصعيد من هذا النوع من شأنه أن يُلقي بظلال قاتمة على اقتصادات دول المنطقة، وقد يؤدي إلى تداعيات يصعب التنبؤ بحجمها أو احتوائها، لا قدر الله، في حال حدوثها.
تأثير الحرب على الاقتصاد المصرى
أما الاقتصاد المصري، فقد كان من بين أكثر الاقتصادات تأثرًا بتداعيات هذا الصراع، وذلك بحكم طبيعته الهيكلية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الخارج في توفير الاحتياجات الأساسية، الاستهلاكية والإنتاجية، في عدد من القطاعات الحيوية، وعلى رأسها قطاعا الغذاء والطاقة. فبعد أن شهد الاقتصاد المصري حالة من الاستقرار الاقتصادي مع نهاية عام 2025، تجلت في تراجع معدلات التضخم والبطالة وأسعار الفائدة، إلى جانب استقرار نسبي في أسعار صرف العملات الأجنبية، جاءت الحرب الراهنة لتعيد بعض الضغوط التضخمية إلى الواجهة، وتلقي بظلالها السلبية على مؤشرات الأداء الاقتصادي.
وفي مقدمة هذه التأثيرات، يبرز الارتفاع الملحوظ في فاتورة الواردات، خاصة فيما يتعلق بواردات الطاقة والسلع الغذائية الأساسية. فمع تصاعد أسعار النفط والغاز عالميًا، ترتفع تكلفة استيراد الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على أعباء الموازنة العامة للدولة، ويزيد من حدة الضغوط على عجز الميزان التجاري. كما أن الزيادة في أسعار القمح والحبوب، مدفوعة بارتفاع تكاليف الأسمدة والإنتاج والنقل، تفرض أعباءً إضافية على منظومة الدعم الغذائي، في ظل حرص الدولة على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي وتوفير السلع الأساسية بأسعار مناسبة.
ومن ناحية أخرى، بدأ سعر الصرف يتأثر بشكل غير مباشر بهذه المتغيرات، نتيجة تزايد الطلب على العملات الأجنبية لتغطية احتياجات الاستيراد، إلى جانب تراجع بعض مصادر النقد الأجنبي. فقطاع السياحة، الذي يُعد أحد الركائز الأساسية لتدفقات العملة الصعبة، قد يتأثر سلبًا بفعل التوترات الإقليمية، وارتفاع تكاليف السفر، وتراجع حركة الطيران. كما أن إيرادات قناة السويس قد تواجه ضغوطًا إضافية، في حال تأثرت حركة التجارة العالمية أكثر مما حدث بالفعل.
وكذلك فإن تدفقات الاستثمار الأجنبي، سواء المباشر أو غير المباشر، مرشحة للتأثر بحالة عدم اليقين التي تسود الاقتصاد العالمي. فمن المتوقع أن يميل المستثمرون إلى تجنب الأسواق الناشئة والاتجاه نحو الاقتصادات الآمنة، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات وزيادة الضغوط على أسواق المال في مصر، في حال استمرار الصراع الحالي. وقد بدأت بالفعل مؤشرات على ذلك في الظهور خلال الأسابيع الأخيرة، مع خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية وتراجع حجم ما يُعرف بالأموال الساخنة.
أما تحويلات العاملين بالخارج، التي تمثل أحد المصادر الرئيسية للنقد الأجنبي، فقد تواجه بدورها تحديات محتملة، خاصة إذا امتدت تداعيات الحرب لتؤثر على اقتصادات الدول المستقبِلة للعمالة المصرية، لا سيما في منطقة الخليج. ورغم أن هذه المخاوف لم تتحقق حتى الآن، بل شهدت الفترة الماضية زيادة في التحويلات مدفوعة بارتفاع سعر الصرف في الفترة الأخيرة، فإن استمرار هذا الاتجاه يظل مرهونًا بعدم إطالة أمد الأزمة.
وبالنسبة للتضخم المحلي، فإن انتقال أثر الارتفاعات العالمية في الأسعار إلى السوق الداخلية يُعد من الأمور الحتمية، وقد يترتب على ذلك تصاعد الضغوط المعيشية على المواطنين، وهو ما يستدعي تبني سياسات حكومية متوازنة، تجمع بين احتواء التضخم وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرًا.
ماذا يجب أن نفعل؟
في مواجهة هذه التحديات المتشابكة، تبرز الحاجة إلى تبني سياسات اقتصادية مرنة وفعالة، ترتكز على تعزيز الإنتاج المحلي، خاصة في مجالي الغذاء والطاقة، وتقليل الاعتماد على الخارج، إلى جانب تنويع مصادر الدخل القومي، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وتطبيق سياسات الترشيد بصرامة. كما تكتسب مسألة الحفاظ على استقرار السياسات النقدية والمالية أهمية خاصة، بما يعزز الثقة في الاقتصاد الوطني، ويدعم قدرته على جذب الاستثمارات، وامتصاص آثار الصدمات الخارجية.
وفي الختام، يتضح أن الحرب الدائرة لن تقتصر آثارها على إعادة تشكيل موازين القوى السياسية في المنطقة فحسب، بل ستمتد لتعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي، وتفرض تحديات معقدة على مختلف الدول، وفي مقدمتها مصر. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه المرحلة الدقيقة يتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والمرونة، والاعتماد على سياسات رشيدة قادرة على التكيف مع عالم سريع التغير، بما يحقق التوازن بين متطلبات الاستقرار الاقتصادي والحفاظ على المكتسبات التنموية. كما تظل الجهود الدولية والإقليمية، والمصرية تحديدًا، الرامية إلى إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت ممكن ضرورة ملحة، لتفادي تفاقم الخسائر المحتملة، والحد من تداعياتها الكارثية إذا ما طال أمدها.









