تتنامى قوة الأمم عسكريا بقدر ما تحدثه من انتصارات متتالية على قوى ذات ثقل وكذلك بقدر ما يتراجع أمامها أعداؤها فى حلبة تدافع الأمم وصراعاتها التى تمارسها على مختلف أصعدة الصراع علميا واقتصاديا واجتماعيا وقيميًّا وعسكريًا وتظل تتنامى حتى تتحقق لها هيبة من شأنها أن توفر عليها التلاحم فى حلبة صراع عسكرى وإنما تنصاع الأمم لها فى كل محفل تشارك فيه سواء أكان محفل تنافس أو تعاون ويصبح السعى إليها وخطب ودها ورضاها مطلب الآخرين حتى ولو كان الآخرون هؤلاء هم من يقدمون إليها ما يرفع شأنها، أى أنها تكون المستفيد الأكبر، لكن الهيبة التى تملكتها وما يصاحبها من دعاية وأساطير حول قدراتها وإمكاناتها أتاح لها هذه المنافع ودفع الآخرين إلى تقديم ما يقربهم من هذه الهالة السامقة.
وعلى الجانب الآخر فإن سقوط الأمم يبدأ بسقوط هيبتها أولاً وليس بتراجع قوتها الحقيقية فيجرؤ عليها الصغار ويجرب معها من يريد أن يختبر قوته ومن يريد أن تكون له مكانة فى عالم القوة فيسعى إلى الاشتباك معها مهما كانت النتيجة فى غير صالحه.
لكن الأمم التى لديها وعى بمثل هذه الحقائق ولديها وعى بما أصابها من وهن ولديها وعى بما حققه الآخرون من قوة مادية ونفسية وكذلك من قيم تمثل معادلا موضوعيًا للقوة العسكرية وهو ما أشار إليه الرئيس السادات فى مجلس الحرب قبيل السادس من أكتوبر عام 1973م بعد أن استمع من كل مسئول عن النواقص الضرورية التى يعانى منها مجاله ولا بد أن تكتمل هذه النواقص لقيام هذه الحرب من سلاح وتموين وغير ذلك من الأمور فقال إن مثل هذه النواقص تعوضها مهارة الجندى المصرى وشجاعته وتفانيه وهو ما حدث بالفعل.
أقول ولكن الأمم ذات الوعى بذاتها وبما حولها لا تقع سريعا بل تجعل من هيبتها التى لا تتوافق مع قوتها الحقيقية درعًا بينها وبين الآخرين تحاربهم بخوفهم منها وبفزعهم من قدراتها فربما تستطيع أن تعيد لنفسها ما فقدته من قوة مادية قبل أن يجترئ عليها من يجترئ.
ولا يعنى هذا أن كل قوة كبرى لا بد أن تكون باطشة بالآخرين مغتصبة لحقوقهم كما نرى فهناك فى تاريخ البشرية من الأمم كان لها ما لها من قيم أخلاقية لا تحيد عنها وذلك فى لحظات النصر وانكسار العدو، هذه الأمم تأخذ مما صنعته لنفسها من هيبة طريقا لتأليف الأمم وصناعة الحياة لها وللآخرين والتنافس من أجل صناعة الحضارة معا، وليس الصراع من أجل إبادة المختلف كما حدث بعد 1492م حيث كانت الإبادة شعار المنتصرين حيث حلّوا وما حدث للهنود الحمر من إبادة والأفارقة من استعباد ليس بعيدا.
ولا شك أن المعركة التى بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران قد أسقطت كثيرا من الهيبة الأمريكية أمام العالم الذى يراقب ويدرس ويعيد حساباته ويسجل الدروس ويعد نفسه على ضوئها خاصة أن كل ما أعلنته أمريكا وإسرائيل من أهداف للحرب ـ بلغة بدت واثقة من قدرتها ومتأكدة من حدوث هذه الأهداف ـ لم يتحقق.
والحقيقة أن هذه الهيبة الأمريكية لم تبدأ تهتز فى الحربين على إيران الأولى والثانية فقط وإنما بدأت قبل ذلك فى الصورة التى صُدرت للعالم أثناء الانسحاب من أفغانستان بالشكل العشوائى فى فرار غير مسبوق نقلته أجهزة الإعلام فى العالم.









