ومازالت تداعيات الحرب تستمر وتؤثر على منطقة الشرق الأوسط خاصة فلم تعد الحروب بعيدة عن الاقتصاد فقد أصبحت جزءا من معادلة سلاسل الإمداد العالمية ولم تعد حركة التجارة مجرد نشاط لوجستى أصبحت نتاجا مباشرا لخوارزميات معقدة تحكمها اعتبارات الأمن والمخاطر وتكلفة الزمن. فدول الخليج باعتبارها أحد أهم مراكز الاستهلاك والطاقة عالميا وجدت نفسها فى قلب هذه المعادلة الصعبة تتأثر بأى اختلال فى الممرات البحرية أو اضطراب فى خطوط النقل التقليدية ، ومن هنا برزت مصر كلاعب يعيد هندسة المشهد مقدما حلولا عملية تعيد التوازن إلى منظومة الترانزيت فى المنطقة وتفتح مسارات بديلة قادرة على امتصاص صدمات الصراع وتقليل تداعياته الاقتصادية. أثناء مطالعتى على مجريات الأحداث اليوم من موقع «وكالة أنباء الشرق الأوسط «لفت انتباهى خبر مضمونه » ميناء دمياط يدشن خدمة ترانزيت جديدة للشحنات عبر خط «الرورو» إلى دول الخليج ، وفى هذا السياق يأتى تدشين خدمة جديدة لنقل الشحنات عبر خط «الرورو» بين ميناء دمياط وميناء تريستا الإيطالى تمهيدا لإعادة توجيهها إلى دول الخليج عبر ميناء سفاجا كترجمة مباشرة لهذه الرؤية التى تتجاوز المفهوم التقليدى للنقل البحرى ، حيث أرى هذه الخطوة لا يمكن اختزالها فى تطوير خط ملاحى فهى تعكس إعادة صياغة واعية لمسارات التجارة الدولية فى ظل تحديات جيوسياسية متصاعدة فمصر تقدم نموذجا متكاملا يجمع بين الأمان والمرونة والسرعة ويعيد توزيع الأدوار فى خريطة التجارة بين أوروبا والخليج. والميزة الجوهرية فى هذا النموذج تكمن فى كونه «ترانزيت غير مباشر» إذ يتم استقبال الشحنات الأوروبية سواء المبردة أو الجافة فى ميناء دمياط ثم إعادة توجيهها إلى ميناء سفاجا ومنه إلى الأسواق الخليجية وهو ما يسهم فى تقليص زمن النقل وخفض التكلفة وتجاوز التعقيدات المرتبطة بالمسارات التقليدية المباشرة ، كما أن قرار إعفاء شحنات الترانزيت المتجهة إلى دول الخليج من التسجيل المسبق فى منظومة ACI يمثل حافزا قويا لاستقطاب مزيد من الخطوط الملاحية والشركات العالمية حيث يزيل عائقا إجرائيا مؤثرا ويمنح مصر أفضلية تنافسية واضحة. وببحثى عن نظام «الرورو» ظهر كأحد أبرز أدوات الكفاءة فى هذه المنظومة إذ يسمح بتحميل وتفريغ الشاحنات مباشرة دون الحاجة إلى عمليات مناولة معقدة الأمر الذى يؤدى إلى تقليل زمن الانتظار داخل الموانئ وخفض التكاليف التشغيلية ورفع كفاءة تدفق البضائع ، هذا الاختيار يعكس إدراكا عميقا لطبيعة المنافسة العالمية حيث لم يعد التفوق قائما على البنية التحتية فقط ولكن أصبح يعتمد بشكل أساسى على سرعة الأداء وسلاسة الإجراءات وقدرة الدولة على تقديم خدمة متكاملة فى بيئة عالية المخاطر وذلك لخدمة الأشقاء العرب وإبراز دور مصر فى حل الأزمة. ففى ظل الاضطرابات التى تشهدها بعض الممرات البحرية تطرح مصر نفسها كبديل موثوق ومستقر من خلال تقديم نموذج مرن يضمن استمرارية تدفق السلع دون انقطاع وهو ما يجسد رؤية تستهدف تحويل الأزمات العالمية إلى فرص اقتصادية واستثمار الموقع الجغرافى الفريد لمصر كمحور لإعادة توزيع التجارة إقليميا. ومن وجهة نظرى أن آثار هذه الخطوة تمتد إلى ما هو أبعد من قطاع النقل حيث تسهم فى تنشيط الموانئ المصرية ورفع كفاءتها التشغيلية إلى جانب جذب الاستثمارات فى قطاع الخدمات اللوجستية وخلق فرص عمل جديدة وتعزيز موارد الدولة من العملة الأجنبية بما يدعم اندماج الاقتصاد المصرى بشكل أعمق فى سلاسل الإمداد العالمية.









