اللسان غير الرسمى للدول.. وذاكرتها اليومية.. و«براند» الثقة لدى الشعب
البرلمان الأوروبى يعتمد 3 نماذج لتمويل الصحف.. و«الهيئة الوطنية» فى مصر تتفوق بتحقيق معادلة «الدعم والاستقلالية»
المنهج المصرى يسبق العالم.. المؤسسات الإعلامية تتكامل بدون منافسة من أجل خدمة الجمهور
«الشركة المتحدة» وفرت للمواطن «الذخيرة الإعلامية».. من أجل حماية العقل الجمعى واستقرار الرأى العام
الجرائد المطبوعة قامت بدور إجتماعى وسياسى لإدارة الأزمات.. وأبرزها الاقتصادية
دراسة أكدت أن الباحثين الإسرائليين يتابعون الصحف القومية المصرية لتحديد «التقدير الإستراتيجى»
معهد رويترز: المستقبل لن يكون رقميًا.. والوسائل التقليدية هى الحماية من خطر «الفوضى الإلكترونية»
بعض أصحاب المساحات الكتابية يحاولون تصوير الحديث عن الصحافة المطبوعة وكأنه دفاع عن ماضٍ يوشك أن ينقضى.. لكن مراجعة التقارير الدولية والأدبيات الصحفية الأجنبية الحديثة تقود إلى العكس.. فما يتم كشفه أن الورق فقد جزءًا من مركزيته باعتباره قناة توزيع، لكنه لم يفقد قيمته كمؤسسة إنتاج للمعنى، والمعرفة السياسية، وتوثيق الأحداث ، وبناء الوعى، وحماية الأمن الفكرى والاجتماعى بل إن هذا الدور يزداد حساسية كلما زادت فوضى المنصات، واشتد ضغط الخوارزميات، وتسارع دخول الذكاء الاصطناعى إلى غرف الأخبار وإلى المجال العام.
تتفق المراجع على أن المجتمعات الحديثة، حتى فى أشد البيئات الرقمية تطورًا، مازالت تحتاج إلى مؤسسات صحفية راسخة قادرة على إنتاج أخبار موثوقة، وتغطية الشأن العام بانتظام، وتقديم مرجعية تتجاوز منطق الترند اللحظى.
هل ما زالت الدول بحاجة إلى الصحافة المطبوعة؟ ليس هذا سؤالاً عن الورق والحبر بقدر ما هو سؤال عن اتجاهات الدول نفسها.. كيف تريد أن تتعامل مع المجال العام؟ وكيف تحمى حق الناس فى معرفةٍ منظمة، ومتابعة للأحداث لاتخضع بالكامل لخوارزميات المنصات؟ هنا تحديدًا لا تبدو الإجابة الدولية جازمة ضد الصحافة المطبوعة، بل أكثر تعقيدًا وواقعية فالعالم يتحول رقميًا بسرعة، لكن كثيرًا من الدراسات والكتب والتقارير الرسمية ما زالت ترى أن اختفاء الصحافة المطبوعة تمامًا لا يعنى التحديث، بل يعنى خسارة جزء من البنية الفكرية والسياسية والمعرفية للدولة والمجتمع.
كشفت اليونسكو فى تقريرها العالمى Journalism as a Public Good أن الصحافة المطبوعة ليست فقط سلعة فى السوق، بل «منفعة عامة» تؤدى دورًا حاسمًا فى توفير معلومات أهم ما فيها أنها موثوقة قائمة على الوقائع، التقرير يتحدث عن وظيفة الدولة الحديثة.. إذا كانت الصحافة الجادة منفعة عامة، فإن تركها وحدها لاضطراب السوق والمنصات يهدد المجال العام كله.. ولهذا شددت اليونسكو على أن الحكومات والمجتمع المدنى والقطاع الخاص مطالبون بالتحرك سريعًا لدعم الصحافة الموثوقة، مع الحفاظ على الاستقلال التحريري، وهو ما جعل العالم يضع نماذج أساسية لتمويل الصحف.
«الدور الحالى»
تشير دراسة «The Role of Print In the Digital News World» الصادرة عن Reuters Institute إلى أن كثيرًا من المؤسسات الصحفية، بعد انتقال السبق الخبرى إلى المنصات الرقمية، أعادت تعريف وظيفة النسخة المطبوعة بحيث تتحول بعيدًا عن متابعة الأخبار ونحو مزيد من التحليل والتقارير الأطول. أو ما يسمى بـ«الصحافة التفسيرية».
ويؤكد هذا الاتجاه أيضًا بحث «Print and online newspapers as material artefacts» المنشور فى مجلة Journalism، ومفاده أن القراء يتعاملون مع النسخة المطبوعة والنسخة الرقمية على أنهما تجربتان مختلفتان.. فالنسخة الإلكترونية أقرب إلى التحديث السريع والمتابعة اللحظية، بينما ترتبط الصحيفة المطبوعة بعلاقة قراءة أهدأ وأكثر تركيزًا وتنظيمًا.. ومن ثم شددت الدراسة على الحاجة إلى استراتيجية الجسر bridging strategies التى تجمع بين الوسيطين بدل أن يكرر أحدهما الآخر.. والمعنى العملى لذلك أن منطق الصناعة الرشيدة للصحيفة الورقية اليوم ليس أن تعيد ما نُشر على الموقع، بل أن تشتغل على التفسير، والتجميع الذكي، والقراءة الأعمق، والملفات، والخلفيات.. وهى ملاحظة أصبح يشيد بها اليوم عدد من قراء جريدة «الجمهورية».
وهناك ما يدعم هذه الفكرة أيضًا من زاوية استقبال الجمهور لا من زاوية غرف التحرير فقط. فدراسة «Learning From News on Different Media Platforms: An Eye-Tracking Experiment» المنشورة فى Political Communication وجدت أن التعرض للأخبار فى الصحيفة المطبوعة ينتج تعلمًا أوسع وأكثر تنوعًا مقارنة بالبيئة الرقمية التى تدفع المتلقى غالبًا إلى استهلاك أكثر انتقائية وأقل اتساعًا فى الموضوعات.. وهذا يفسر لماذا تميل الأدبيات الحديثة إلى اعتبار الصحيفة الورقية مكانًا مناسبًا لبناء وعى أعمق.
ومع ذلك مازالت الصحف القومية الورقية تحمل دور متابعة الأخبار فتشير دراستان مهمتان للباحثة Sharon Ringel فى مجلة Journalism هما «رقمنة صحيفة السجل: أرشفة الصحف الرقمية فى نيويورك تايمز «مستقبل ماضينا: غياب البنية التحتية للذاكرة فى الصحافة» ، إلى أن الصحيفة ليست فقط منتجًا يوميًا، بل جسم أرشيفى يصنع السجل العام للدولة، لذلك أوصت نتائج الدراستين بأنه «حتى لو اتجهت الصحافة المطبوعة اليوم إلى تقليل المساحة المخصصة للخبر الخام لصالح التحليل، فإنه لابد من العرض الموجز الذى يضمن بقاء الأخبار داخل الصحيفة، ولو فى مساحة منضبطة ومدروسة، يظل ضروريًا لأنها لا تؤدى فقط وظيفة الإخبار، بل وظيفة التوثيق وصناعة الذاكرة العامة التى يعود إليها المجتمع لاحقًا لفهم ما جرى وكيف جرى».

«التمويل الأوروبى»
تُظهر دراسة للبرلمان الأوروبى وجود 3 نماذج لتمويل الصحف المطبوعة، النموذج الأول هو الدعم المباشر من الموازنة العامة، سواء فى صورة إعانات تشغيلية أو دعم للإنتاج والتحرير.. فالنمسا والدنمارك والسويد ولوكسمبورغ وبلجيكا ضمن أسلوبًا كثيف التمويل يجمع دعماً مباشراً وغير مباشر، بينما تتبع فرنسا وإيطاليا أسلوبًا مختلطًا يجمع الدعم المباشر مع أدوات ضريبية وتوزيعية.
أما النموذج الثانى فهو الدعم غير المباشر عبر الضرائب والتوزيع، وهو من أكثر النماذج شيوعًا واستقرارًا. دراسة البرلمان الأوروبى ترصد بوضوح أن خفض ضريبة القيمة المضافة على الصحف المطبوعة يُعد الأداة الأوسع انتشارًا فى أوروبا، مع أمثلة دقيقة مثل: بلجيكا والدنمارك بنسبة 0 ٪ على الصحف المطبوعة والرقمية، وفرنسا بنسبة 2.1 ٪، والسويد 6 ٪، وإسبانيا 4 ٪، وألمانيا 7 ٪، وفنلندا 10 ٪. كما توضح الدراسة أن دعم التوزيع نفسه حاضر بقوة فى دول مثل السويد وفنلندا وفرنسا وبلجيكا، بينما يُمنح فى الدنمارك والسويد كدعم مباشر، وتحولت فرنسا بعد إصلاحات حديثة من دعم البريد إلى دعم مباشر للتوزيع، كما خصصت إيطاليا تمويلاً لتوزيع الصحف، وتخلص الدراسة إلى أن القيمة الإجماليــة لخــفض الـVAT على الأخبار فى الاتحاد الأوروبى تتجاوز مئات الملايين من اليورو، وأن هذا النوع من الدعم قد يكون فى بعض الدول أكبر من الدعم المباشر نفسه.
ويبقى النموذج الثالث هو الإعلان الحكومى والمساندة الموجهة للمناطق والفئات الخاصة، وهو الأكثر حساسية لأنه قد يتحول إلى أداة دعم أو أداة نفوذ بحسب درجة الشفافية. دراسة البرلمان الأوروبى تؤكد أن جميع الدول الأعضاء تمول شكلاً من أشكال الإعلان الحكومي، لكنها تحذر من تفاوت الشفافية ومن احتمال تركز هذا الإنفاق بعيدًا عن المؤسسات الصحفية أو استخدامه بطريقة غير عادلة.
«العالم يمول صحافته»
وخارج الاتحاد الأوروبي، تكشف النماذج الدولية عن تنوع واضح لا يقل أهمية ففى الولايات المتحدة لا يوجد اليوم نموذج فيدرالى واسع للدعم المباشر للصحف المطبوعة على الطريقة الأوروبية، لكن الدولة ما زالت تقدم دعماً غير مباشر عبر نظام Periodicals فى البريد الأمريكى الذى يمنح المنشورات المؤهلة أسعار إرسال خاصة ومخفضة، بينما تتجه بعض الولايات حديثًا إلى بحث اعتمادات ضريبية وحوافز اشتراك وإعلانات موجهة لدعم الأخبار المحلية، وفى اليابان تتبع الدولة نموذجًا ضريبيًا واضحًا؛ إذ تؤكد وزارة المالية وهيئة الضرائب الوطنية أن الصحف المطبوعة المشتَرَكة والصادرة مرتين أسبوعيًا أو أكثر تخضع للمعدل المخفض 8 ٪ بدل 10 ٪، بما يجعل تخفيف العبء الضريبى أداة مباشرة لحماية استمرارية الصحف الورقية.
أما الهند فتعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الإعلانى الحكومى وسياسات تحديد أسعار الإعلان للصحف، وهو ما تؤكده وزارة الإعلام والبث الهندية وتقاريرها السنوية، بل إن الحكومة رفعت فى 2025 أسعار إعلانات الطباعة بنسبة 26 ٪ لمساندة الصحف فى مواجهة ارتفاع التكاليف والمنافسة الرقمية.
وفى كندا يظهر نموذج أكثر مؤسسية، إذ تجمع الدولة بين الائتمان الضريبى القابل للاسترداد لأجور الصحفيين وبين مبادرة Local Journalism Initiative لتمويل التغطية المحلية فى المجتمعات غير المخدومة، وهو دعم تستفيد منه المؤسسات الصحفية بما فيها المطبوعة متى استوفت الشروط.
كذلك تسير أستراليا فى اتجاه مشابه عبر News Media Assistance Program الذى يضع إطارًا لدعم الصحافة ذات المصلحة العامة والتعددية الإعلامية، بعد أن استخدمت من قبل برامج منح مباشرة مثل Public Interest News Gathering لمساندة الناشرين، وبينهم ناشرو الصحف الإقليمية والمطبوعة.
«التمويل الوطنى»
أما فى مصر فالدولة تحرص على دعم المؤسسات الصحفية القومية بشكل كامل عبر الهيئة الوطنية للصحافة باعتبارها الجهة المنوط بها قانونًا إدارة هذه المؤسسات، والإشراف على أدائها الاقتصادى والإداري، واعتماد خطط تطويرها، بما يحفظ استمراريتها ويعزز قدرتها على أداء دورها الوطنى فى التنوير وبناء الوعى العام. ويستند هذا الدور إلى الإطار الدستورى الذى يُلزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحفية المملوكة لها ويعتبر هذا الإطار هو الأكثر كفاءة عالميا ويحل الأزمات التيتعانى منها الدولة من حيث ضمان مفهوم الاستقلالية.
يستند دعم الهيئة للصحف القومية على قانون تنظيم الهيئة الوطنية للصحافة الذى منحها اختصاصات واضحة تشمل تعيين القيادات الصحفية، واعتماد برامج التعاون والشراكة، ومتابعة الأداء والتقويم، بما يضمن حسن الإدارة وتطوير أدوات العمل داخل المؤسسات القومية.
«تحديات وطنية»
تتعرض الدولة المصرية لتحديات كبرى ناتجة عن الحرب المعلوماتية وحروب الجيل الرابع، وقد كشفت دراسة «إعلام الخدمة العامة كبنية تحتية إعلامية حيوية للعصر الرقمي» المنشورة فى مجلة Media, Culture & Society، إلى أن المؤسسات الإعلامية العامة والراسخة أصبحت فى البيئة الرقمية أصلاً حرجًا لأنها تسند اتجاهات الحكومة ومشروعاتها، وتعزز التماسك الاجتماعي، وتمس الأداء اليومى للمجتمع وحتى متطلبات الأمن الوطنى.. قوة هذه الدراسة أنها لا تنظر إلى الصحف القومية كوسيلة قديمة، بل باعتبارها بنية حماية وقت الاضطراب.
وهنا تبرز التعددية الإعلامية كخط دفاع، فقد أوضح الباحثان IulianChifu وGreg Simons فى دراستهما المنشورة ضمن كتاب Rethinking Warfare in the 21st Century أن هذا النمط من الحروب يعتمد على اختراق الوعى العام عبر الدعاية والتضليل واستخدام الفضاء الإعلامى كساحة صراع رئيسية، لابد أن تكون فى المواجهة وسائل إعلامية متعددة.
وفى السياق ذاته كشفت دراسة Humprecht وEsser وVan Aelst المنشورة فى The International Journal of Press/Politics بعنوان Resilience to Online Disinformation أن المجتمعات التى تتمتع بثقة أعلى فى وسائل الإعلام المهنية تكون أقل تعرضًا لتأثيرات المعلومات المضللة، لأن الجمهور يتجه بطبيعته إلى المصادر الموثوقة.. وتدعم هذا الاتجاه نتائج تقرير European Audiovisual Observatory، الذى أكد أن تعزيز التعددية الإعلامية يرفع من قدرة الدول على مقاومة التلاعب المعلوماتى والتدخلات الخارجية.. ومن ثم، فإن تنوع المؤسسات والوسائل الإعلامية داخل الدولة لا يمثل فقط ثراءً فى المشهد الإعلامي، بل يشكل آلية حماية استراتيجية للوعى العام، إذ يوسع أمام المواطن دائرة الاختيار بين مصادر مهنية متعددة، فيقل انجذابه نحو المنصات المضللة التى تمثل أحد أخطر أدوات حروب التأثير الحديثة.
«طبيعة الجمهور»
تكشف الأدبيات الأجنبية الحديثة أن المتلقى لم يعد يتعامل مع مصدر واحد للأخبار، بل يبنى ما يسميه الباحثون «الذخيرة الإعلامية» أو media repertoires؛ أى مزيج من التلفزيون، والمواقع الإخبارية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والصحافة المطبوعة حتى يصل للمعلومات التى يريدها، وفى Digital News Report 2024 الصادر عن Reuters Institute، استندت النتائج إلى مسح شمل أكثر من 95 ألف شخص فى 47 سوقًا، وأظهرت أن استهلاك الأخبار بات موزعًا على منصات متعددة لا على منفذ واحد فقط، وهو ما يفسر لماذا لم يعد كافيًا أن بملك المجتمع منصة إعلامية وحيدة مهما كانت قوتها؛ لأن الجمهور نفسه صار يبحث عن المعرفة عبر مسارات متوازية ومتقاطعة.
«الشركة المتحدة نموذج»
واقع الإعلام المصرى يؤكد أن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية استطاعات بشكل يفوق النماذج الدولية أن تقدم هذه الفكرة من تكامل المنصات أو ما يعرف بـ «integrated media» حيث تعمل وسائل متعددة مختلفة من أجل حماية العقل الجمعى واستقرار الرأى العام وامداده بالمعلومات الكاملة بأشكال متعددة مستخدمة فى ذلك التغطية الإخبارية اللحظية، والمعالجة البرامجية الشاملة، المتابعة الصحفية اللحظية فى المواقع، والمعالجة المتعمقة فى النسخ المطبوعة من الصحف، مع الإنتاج الدراميوالوثائقى والبث الإذاعى بالروح الشبابية، والمنشآت على السوشيال ميديا، كل ذلك يتم فيه استخدام أحدث التقنيات الإنتاجية وأدوات الذكاء الاصطناعي.
لتصبح التجربة الوطنية قادرة على التأصيل النظرى لمنهج اعلامى فائق، بمعنى أن مصر لم تعد بحاجة إلى القياس على آليات المؤسسات الإعلامية الأجنبية وإنما هى من تضع لأى مؤسسة دولية المعيار الذى تسير عليه.
اللافت فى الأمر هو التكامل بين مؤسسات الشركة المتحدة بإمكانياتها مع المؤسسات الصحفية القومية برصانتها وتاريخية، مع وجود تكامل فائق بين الأثنين بالمحتوى والمعالجة والصياغة واختيار الموضوعات تتلاءم تمامًا مع دور كل منهما فتعمل المؤسسات القومية على الحفاظ على مقدراتها واستثمار تاريخها واسمها كما تؤكد الهيئة الوطنية للصحافة، وتركز على مسئوليتها كلسان غير رسمى للدولة أمام المؤسسات الخارجية ودول العالم وكونها مرجعية التوثيق للاحداث اليومية، مع تعزيز خطابها التحليلى والحفاظ على هويتها فى أذهان قرائها.
«تكامل لا تنافس»
الصحف الورقية إذن تتكامل مع الوسائل الإعلامية من أجل الهدف ذاته بل وتحقق نجاحا مهما فى هذا السياق فعلى سبيل المثال فى المجال الاقتصادي، أوضحت المجلة المصرية لبحوث الرأى العام عبر دراسة بعنوان «آليات الخطاب الصحفى الرسمى حول الأزمة الاقتصادية فى مصر فى الربع الأول من عام 2023، أن الصحف القومية اليومية الثلاث: الأهرام والأخبار والجمهورية أدت دورًا واضحًا فى تسويق كيفية تعامل النظام السياسى مع الأزمة الاقتصادية، مع تركيز ملحوظ على المبادرات الرئاسية كأداة احتواء لتداعيات الأزمة.
كما كشفت دراسة بعنوان «دور تكتيكات المعلومات فى تأطير وأدلجة الخطاب الصحفى أثناء الأزمات الاقتصادية»، المنشورة فى المجلة المصرية لبحوث الإعلام عام 2017، أن الصحف القومية قامت بدور اجتماعى وسياسى فى ترسيخ الأجندة الاقتصادية الرسمية وتوجيه الوعى العام نحو تحمل كلفة القرارات الاقتصادية والمعنى الأوسع هنا أن الصحف القومية المصرية، وقت الأزمات الاقتصادية، لا تعمل فقط كوسيط خبري، بل كأداة شرح وتعبئة واحتواء مجتمعى فى لحظة يرتبط فيها الاقتصاد مباشرة بالاستقرار العام.
الدول المعادية ترصد الصحافة القومية قبل الصديقة فتكشف مجلة البحوث الإعلامية عبر دراسة «اتجاهات محافل التقدير الاستراتيجى الإسرائيلى نحو مصر»، أن الصحف القومية المصرية تُعد من أبرز المصادر التى يعتمد عليها الباحثون الإسرائيليون فى صياغة خطابهم التقديرى تجاه مصر، بما يعنى أن هذه الصحف لا تؤثر فقط فى الداخل، بل تدخل أيضًا ضمن المادة الخام التى تُقرأ بها مصر فى دوائر خارجية واستراتيجية. .
المستقبل
بالبناء على ذلك وعلى ما وصلت له الدراسات التجريبية الأجنبية نصل إلى أن الحديث عن إلغاء أو إيقاف الصحف القومية لا سيما الأبرز منها، اوتعميم الكلام فى هذا الشأن، هو نتاج قصور الخبرة الشخصية أو نتيجة رغبة البعض فى إفقاد الدولة والمواطن وسيلة موثوقة لتحقيق الوعى والتصدى لمخططات هدم الدولة وتشويش العقول ولذلك لابد أن نكون حذرين امام هذه الدعوات التى لا تمثل الحقيقة أو العلم بل تعبر عن رؤية أصحابها فقط وافكارهم الموجهة.. و لن يكون المستقبل رقميًا فقط فتكشف تقارير معهد رويترز لدراسة الصحافة لماذا لا يمكن الاعتماد الكامل على البيئة الرقمية ففى تقرير Digital News Report 2025 أشار المعهد إلى استمرار تراجع التفاعل مع المصادر التقليدية، بما فيها الطباعة، مقابل تزايد الاعتماد على الشبكات الاجتماعية والفيديو والمجمعات.. لكنه حذر فى الوقت نفسه من صعود «منظومة إعلام بديلة» يقودها المؤثرون وصناع المحتوي، ومن أن هؤلاء، يُنظر إليهم عالميًا كأحد أبرز مصادر المعلومات الزائفة أو المضللة.. أى أن المشكلة ليست فى أن الناس انتقلوا رقميًا فحسب، بل فى أن المجال الرقمى نفسه صار أكثر عرضة للفوضى والتشظى والاستقطاب.









