فى لحظة ما من الزمن، لم يكن الصوت مجرد وسيلة، بل كان رسالة. ومن قلب القاهرة، خرج صوت مختلف… صوت لا يشبه الضجيج، ولا ينافسه، بل يسمو عليه. هكذا بدأت إذاعة القرآن الكريم، التى لم تكن يومًا مجرد محطة إذاعية، بل كانت وما زالت نهرًا من الطمأنينة يتدفق فى بيوت المصريين والعالم الإسلامى منذ أكثر من ستة عقود. اثنان وستون عامًا مرّت، تغيّر فيها كل شيء تقريبًا… إلا هذا الصوت. ظل ثابتًا، نقيًا، حاضرًا فى تفاصيل الحياة اليومية: فى الصباحات الهادئة، فى ليالى رمضان، فى لحظات الحزن، وفى أوقات الرجاء. صوتٌ حفظته الذاكرة قبل أن تحفظه الأجهزة، وتعلّق به وجدان أمة كاملة. لم تكن الإذاعة فقط منصة لتلاوة القرآن الكريم، بل كانت مدرسة متكاملة خرّجت أجيالًا من المستمعين الذين تعلّموا كيف ينصتون، وكيف يتدبرون، وكيف يرتبطون بكتاب الله ارتباطًا حيًا وعميقًا. كانت الأصوات التى خرجت منها علامات مضيئة فى تاريخ التلاوة، تُعرف من أول نَفَس، وتُحفظ كما تُحفظ الآيات وينتظرها الملايين فى كل مكان صباحاً ومساءً. ومع مرور الزمن، واجهت الإذاعة تحديات كثيرة، كغيرها من المؤسسات الإعلامية، فى عالم تغيّرت فيه أدوات التأثير وتعددت فيه مصادر الصوت.. لكن الحكاية لم تنتهِ .. بل بدأت فصلًا جديدًا. فى السنوات الأخيرة، وتحت مظلة الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكــاتب الصحفى الكبير أحمد المسلمانى وبدعـــم من الدولـة بقيادة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، عادت الإذاعة لتستعيد بريقها بخطوات مدروسة تعيد صياغة حضورها فى الحاضر. سبع خطوات كبرى أعادت ترتيب المشهد أولها: اختفاء الإعلانات من على موجاتها، ليبقى الصوت خالصًا، متجردًا، لا يزاحمه شيء، والثانية إعادة ضبط خريطة التلاوة، لتتسع المساحة لعمالقة القرّاء لعقود، فعاد الصوت الأصيل إلى مكانه الطبيعى فى الصدارة. والثالثة مئات التلاوات النادرة التى لم تُذع من قبل، عادت إلى الحياة، بعدما أهدتها عائلات كبار القرّاء، وعادت الإذاعة إلى جمهورها فى المساجد والساحات عبر البث الخارجي، فى صلوات الفجر والتراويح والفعاليات الدينية، لتستعيد تلك اللحظات التى يمتزج فيها صوت التلاوة بروح المكان. وفى امتداد طبيعى للعصر، لم تغب الإذاعة عن العالم الرقمي، بل دخلته بقوة، عبر موقع وتطبيق إلكترونى حققا انتشارًا واسعًا، ووصل صداها إلى ملايين المستخدمين حول العالم، فى مشهد يؤكد أن الكلمة الصادقة تجد طريقها دائمًا، مهما تغيّرت الوسائل. ولأن الذاكرة لا تقل أهمية عن الحاضر، كان العمل على إنشـاء متحف للقرّاء داخل ماسبيرو، ليحفظ تراث هؤلاء الذين صنعوا وجدان أمة بأصواتهم، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرّف على تاريخ حيّ لا يُنسي وهنا، لا يُقاس النجاح بعدد المستمعين فقط، بل بعدد القلوب التى سكنت، والنفوس التى اطمأنت، والآيات التى وُجدت لها مكانًا فى الصدور. ستظل إذاعة القرآن الكريم أكثر من مجرد إذاعة.









