تعودت أن أكتب مقالاتي هنا عن الرياضة والرياضيين والمشاكل التي تواجهها وكيفية حلها.. ولكن اسمحوا لي أن يكون مقالي هذه المرة مختلفا لأنه يتناول المرأة الأولى في حياة الرجل وهي أمه، لأن الأم هي مدرسة متكاملة أهم من كل مدارس الدنيا، وكما قال شاعر النيل حافظ إبراهيم «الأم مدرسة إذا أعددتها… أعددت شعبا طيب الأعراق».
لم أشعر بالقيمة العظيمة للأم مثلما شعرت بها حين رحلت أمي منذ أيام وحياتي كلها تمر أمامي كشريط سينما سريع يمر بكل المحطات التي توقفت فيها لأجد أن أمي اكسبتني من العلم أكثر مما اكتسبته خلال 30 عاما من الدراسة على كافة المستويات العلمية.
أهم ما تعلمته من أمي هي القيم الأخلاقية التي أصبح قليلة جدا للأسف في مجتمعنا الآن وخاصة في الأجيال الجديدة، وكلها تركت في قلبي وعقلي علامات كثيرة بقيت طوال حياتي وستبقى حتى ألقى وجه ربي في الوقت الذي يحدده رب العالمين.
تعلمت في مدرسة أمي الكثير من القيم لو سردت لها كتبا ما أوفيتها، ولكني سأذكر أهمها مما لو تحلى بها البشر الآن لحل السلام على العالم كله، التسامح، والصبر على البلاء، وحب الخير للناس، والرضا، والقناعة، والإيمان بقضاء الله وقدره، والتوجه إلى الله في الكرب.
عندما كانت أمي تجدني غاضبا من أي شخص كانت تقول لي بصوتها الحنون «بخاطره يا ابني، والنبي تسامحه» وكانت في كل تسامح تأخذ حسنة مني وانا أسامح وأخذ حسنة منها. علمتني أهم صفة علمنا إياها الرسول عليه الصلاة والسلام وتعلمناها من ديننا الحنيف وللأسف لم يعد لها وجود في وقتنا هذا.
أصعب ما يواجه أي أم على وجه الأرض ان يرحل ابنها بين يديها، وهذا الاختبار تعرضت له أمي الغالية عندما توفي شقيقي علاء الادور بعمر 27 عاما وكان مهندسا ناجحا يملأ بروحه السمحة الدنيا مرحا وسعادة وكانت وفاة الراحل الشهيد اثناء تأدية عمله في حادث سقوط من فوق السقالة، وكانت امي صغيرة بكامل الصحة، ووقفت صامدة 28 عاما أمام البلاء الذي اختصها به الله وكانت تواسينا أنا وأشقائي بدلا من ان نقوم نحن بمواساتها. تقبلت اختبار الله بكل ايمان وعلمتني الصبر على البلاء.
عندما كانت أمي تراني اشعر بالظلم خلال وجودي في اي عمل كانت تقول لي دعاء لم اسمعه من غيرها بصوت مملوء بالإيمان «ربنا يرجعلك حقك» . كانت أمي تعلم انني لا اطلب اكثر من حقي، ولا احب الحصول على اكثر مما استحق وتطالبني بالشكوى لله الرزاق وليس للبشر، وكنت اري أبواب الدنيا تفتح بهذا الدعاء.
كانت تحب الخير في كل وقت وفي أي موقف، وتكاد ألا تجمعني بها مقابلة، إلا وطلبت مني أن أساعد «فلان» أو أخدم «فلان» أو أسأل على شخص، ولم تكن تنطق إلا خيراً.
كانت تتحلى بالقناعة التي تجعلها ترضى بأقل القليل والرضا بما كتبه الله دون أي غضاضة.
كانت تسأل على كل أصدقائي بالاسم وتستقبلهم في بيتنا بكل ترحاب وكانت تسعد جدا بكلمة ماما من أكثر من مائة صديق وتقول لي، ما أجمل أن أكون أما لكل هؤلاء!!.
وإذا كنت مترددا في شراء شيء خشية عدم قدرتي على السداد كانت تقول دائما تقدم واسع وادع الله بدعوة لم أسمعها من قبل «ربنا يسد ما عليك» وأيام الامتحانات وما أكثرها وما أصعبها في المدرسة وكلية الطب ثم الإعلام كانت توجه لي دعاء فريدا وتقول بصوتها المليء بالحب والحنية «ربنا يجعله سهل قدامك» وفعلا كنت أشعر لدى أي تعثر أن الأمور تصبح سهلة أمامي بهذا الدعاء.
الآن صدقت أن أي رجل هو طفل أمام أمه حتى تموت وعندها يصبح كهلا وهكذا أصبحت!!
«رحمة الله عليكى يا أغلى الناس».









