في الأسبوع الماضي، صدر قرار بتكليف الدكتور أحمد الجيوشي، الأستاذ بجامعة حلوان، بأحد أهم المناصب في منظومة التعليم العالي؛ قائمًا بأعمال رئيس قطاع التعليم، وأمينًا للمجلس الأعلى للمعاهد، وهو موقع يتطلب مزيجًا دقيقًا من الرؤية العلمية والخبرة التنفيذية.
ومن خلال تجربة سابقة في التعامل مع الدكتور الجيوشي، خلال فترة عمله نائبًا لوزير التربية والتعليم لشئون التعليم الفني، في عهد الدكتور الهلالي الشربيني، والدكتور طارق شوقي، يمكن القول إن هذا الاختيار صادف أهله؛ بالنظر إلى ما يتمتع به الرجل من خلفية علمية رصينة وخبرة ممتدة في العمل التعليمي.
فالجيوشي ليس مجرد مسؤول تنفيذي، بل عالم له إسهاماته البحثية في تكنولوجيا السيارات، وخبرة أكاديمية تعود إلى فترة عمله عميدًا لكلية التربية الصناعية، فضلًا عن رؤيته الواضحة في تطوير التعليم الفني والتكنولوجي، سواء قبل الجامعي أو الجامعي؛ وهي ملفات تمثل اليوم أحد أهم مفاتيح التنمية الحقيقية.
علي المستوي الأنساني، أتذكر جيدًا أول لقاء صحفي جمعني به كنائب لوزير التعليم لشئون التعليم فني في ٢٠١٥، بقصر الاميرة “فائقة ” مقر وزارة التربية والتعليم القديم .. لم يكن متعجلًا، بل كان حريصًا على أن يشرح ويستوضح، ويضع كل كلمة في موضعها الصحيح. لكن، وبقدر ما يحمله المنصب من أهمية، فإن المرحلة المقبلة تضع أمام الجيوشي أربعة تحديات رئيسية لا تحتمل التأجيل.
يتمثل التحدي الأول في استكمال تطوير مكتب التنسيق، والبناء على ما تم إنجازه؛ بما يرسخ مبادئ الشفافية والعدالة في توزيع الفرص التعليمية، ويعيد الثقة الكاملة في واحدة من أهم آليات القبول بالجامعات.
ويأتي التحدي الثاني متمثلاً في إعادة ضبط منظومة الكليات التكنولوجية، التي تمثل العمود الفقري للتعليم الفني الجامعي الحديث، خاصة مع وجود 44 معهدًا متوسطًا؛ مما يستلزم إعادة تنظيم العمل، وحسم ملف القيادات وفق معايير واضحة تتسق مع القانون وتخدم الكفاءة.
أما التحدي الثالث، فيتعلق باختيار المعاونين، وهي نقطة مفصلية في نجاح أي مسؤول؛ إذ يجب أن يكون معيار الكفاءة هو الحاكم، مع ضرورة الاعتماد على عناصر تمتلك سجلًا إداريًا نظيفًا، وقدرة حقيقية على الإنجاز.
ويبقى التحدي الرابع، وهو الأهم، في بناء نموذج إداري منفتح، يجعل مكتبه متاحًا للأفكار الجادة، ويقرب المسافات؛ خاصة أنه يسير أعمال المجلس الأعلى للتعليم التكنولوجي بجوار مهامه الجديدة.
وفي النهاية، فإننا نتمنى نجاح الجيوشي في مهمته؛ لأنه لن يكون نجاحًا شخصيًا، بل خطوة مهمة على طريق تطوير منظومة التعليم العالي، في وقت أصبحت فيه الجامعات عمود بناء الدول،وصياغة مستقبلها.
● ● ● ● ● ● ● ● ● ●
وبعيدًا عن هموم التعليم العالي، وفي سياق إقليمي دقيق، يبرز نموذج لخطاب تعليمي واعٍ يجمع ولا يفرق، ويوحد الصفوف ولا يشتتها. فقد عبّرت الدكتورة لؤلؤة الخاطر، وزيرة التعليم القطرية، خلال زيارتها للمدرسة المصرية بالدوحة، للاطمئنان علي طلابها ومعلميها عن تقدير صادق لمصر، حين وصفتها بأنها “قلب العرب النابض ومهد الثقافة”، مؤكدة – في لفتة إنسانية لافتة – أنها تعتبر نفسها “مصرية الهوى والثقافة”.
مثل هذه التصريحات لا يمكن قراءتها فقط في إطارها الدبلوماسي، بل تعكس عمق التأثير الثقافي المصري في محيطه العربي، وتؤكد أن القوة الناعمة لمصر ما زالت حاضرة بقوة، وقادرة على العبور إلى القلوب قبل العقول. كما تعكس، في الوقت نفسه، وعيًا من المسؤولين في دولة قطر الشقيقة بأهمية التعليم والثقافة كجسر للتقارب بين الشعوب، وأداة لمواجهة التحديات التي تحيط بأمتنا العربية.
ما أحوجنا اليوم إلى هذا النوع من الخطاب؛ خطاب يبني ولا يهدم، يجمع ولا يفرق، ويضع مصلحة الأمة العربية فوق أي اعتبارات أو اختلافات.









