تمر المنطقة العربية فى المرحلة الراهنة بمنعطفات تاريخية حاسمة، تتشابك فيها الأزمات السياسية مع التحديات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية. وفى وسط هذا المشهد المعقد تبرز محاولات دءوبة لزعزعة الاستقرار من خلال سلاح قديم متجدد هو الفتنة. إن استهداف الروابط المتينة بين الشعب المصرى وأشقائه العرب ليس مجرد عوارض عابرة على منصات التواصل الاجتماعى، بل هو مخطط يهدف إلى تفتيت وحدة الصف وإضعاف القوة الناعمة والصلبة لقلب العروبة النابض مصر، وعلاقاتها الاستراتيجية بظهيرها العربى.لماذا الآن تدرك القوى المتربصة بالمنطقة أن قوة العرب تكمن فى تماسكهم، وأن مصر تمثل حجر الزاوية فى أى تكتل عربى فاعل. لذلك فإن محاولات الوقيعة تأتى فى توقيت مدروس، حيث يسعى البعض لاستغلال الأزمات العالمية الراهنة سواء كانت اقتصادية أو أمنية لخلق فجوة من عدم الثقة. تعتمد هذه الفتن على صناعة الشقاق عبر تضخيم أحداث فردية، أو تحريف تصريحات رسمية، أو حتى اختلاق صراعات وهمية حول الأفضلية أو المواقف السياسية. والهدف النهائى هو تحويل الشعوب من حالة التكامل والدعم المتبادل إلى حالة من التلاسن الرقمى الذى ينعكس سلبا على الاستقرار الشعبى والرسمى.
ولم يعد العداء يظهر فى ساحات القتال التقليدية فقط، بل انتقل إلى الفضاء السيبرانى. إن ما نراه من تريندات مسيئة أو حملات ممنهجة للهجوم على دولة عربية بعينها، أو السخرية من الشعوب، لا يعبر فى الغالب عن رأى عام حقيقى، بل تقوده كتائب إلكترونية وحسابات وهمية تهدف إلى تسميم الأجواء وخلق حالة من الكراهية والنفور بين الشباب العربى.
وكذلك استحضار التاريخ بشكل مغلوط، ونبش خلافات قديمة وتصديرها كأزمات قائمة. هذه الكتائب تهدف إلى عزل مصر عن محيطها، وإيهام المصريين بأن أشقاءهم لا يقفون معهم، وإيهام الأشقاء بأن مصر تبتعد عن قضاياهم.
إن الرد على الإساءة بإساءة مماثلة هو الوقوع فى الفخ الذى نصبه المحرضون. والحذر لا يعنى الصمت فقط بل يعنى الوعى بمصدر الخبر ومصدر التوجيه.
إن العلاقات بين مصر وأشقائها العرب ليست وليدة المصالح اللحظية، بل هى نتاج قرون من التداخل الثقافى، والدم المشترك فى الحروب، والتعاون فى البناء.
لقد كانت الدماء العربية تمتزج على أرض سيناء، وكانت مصر دائما الدرع التى تحمى الأمن القومى العربى من المحيط إلى الخليج. وساهمت العقول والعمالة المصرية فى بناء نهضة العديد من الدول العربية، كما ساهمت الاستثمارات العربية فى دعم الاقتصاد المصرى فى أحلك الظروف.
إن التشكيك فى هذه الروابط هو إنكار للواقع التاريخى والجغرافى الذى يفرض على الجميع أن يكونوا فى خندق واحد لمواجهة الأخطار الوجودية التى تهدد المنطقة برمتها. وعندما ينجرف المواطن وراء خطاب الكراهية، فإنه يساهم دون قصد فى تحقيق إضعاف الجبهة الداخلية. وبذلك ينشغل المجتمع بصراعات خارجية وهمية بدلاً من التركيز على البناء والتنمية. ومعروف أن قطاعات اقتصادية واسعة تعتمد على التبادل التجارى. وبعض القوى الإقليمية والدولية الطامعة تجد فى تفتت العرب فرصة ذهبية لفرض أجنداتها والسيطرة على مقدرات المنطقة.
إن مواجهة هذه الموجات تتطلب تكاتفاً بين المؤسسات الرسمية، والنخب الفكرية، والمواطن البسيط.
إن مصر بمكانتها الكبيرة، وأشقاءها العرب بمواقفهم النبيلة، أكبر من أن تنال منهم حملة ممنهجة على تطبيق إلكترونى أو تصريح موتور من جاهل. إن الحذر من الفتنة فى هذه المرحلة ليس رفاهية، بل هو واجب وطنى وقومى.
علينا أن نتذكر أن الكلمة أمانة، وأن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. إن قوتنا فى وحدتنا، وضعفنا فى تفرقنا. ولن ينجو أحد إذا ما اشتعلت النيران فى بيت جاره، فمصيرنا مشترك، وتاريخنا واحد، ومستقبلنا لا يكتمل إلا يداً بيد. يا أبناء مصر ويا أشقاءنا فى كل ربوع الوطن العربى، كونوا حائط الصد المنيع، ولا تمنحوا المتربصين فرصة لهدم ما بنيناه بالدم والعرق عبر عقود. الوعى هو سلاحنا الأقوى، والمحبة هى رابطنا الذى لن ينقطع.
وللحديث بقية..









