تمر الدولة المصرية فى الآونة الأخيرة بمرحلة هى الأدق فى تاريخها المعاصر، حيث تتشابك التحديات الجيوسياسية الإقليمية مع الضغوط الاقتصادية العالمية، لتضع الوطن أمام اختبار حقيقى للقوة والصلابة. وفى مثل هذه الظروف لم يعد مفهوم الدولة يقتصر على المؤسسات والأجهزة الرسمية فحسب، بل صار يتسع ليشمل كل مواطن على أرضها. إن مشاركة المواطنين للدولة فى هذه المرحلة ليست مجرد خيار وطنى، بل هى ضرورة وجودية وصمام الأمان الوحيد للعبور نحو الاستقرار المستدام.
المشاركة التى تحتاجها مصر اليوم هى مشاركة الوعى نحن نعيش فى عصر حروب الجيل الرابع والخامس، حيث يتم استهداف الجبهة الداخلية عبر بث روح اليأس والإحباط وتزييف الحقائق. وتقع على عاتق المواطن مسؤولية عدم الانجرار خلف منصات التحريض التى تستغل الأزمات الاقتصادية لتأليب الرأى العام.. الوعى بأن الأزمة عالمية وليست محلية فقط هو أول خطوة فى مساندة الدولة.
إن استيعاب المواطن لتعقيدات الملفات التى تديرها الدولة من تأمين الحدود الملتهبة فى كافة الاتجاهات إلى إدارة ملفات الأمن الغذائى والمائى يخلق حالة من التلاحم بين الشعب والقيادة، مما يمنح صانع القرار ظهيراً شعبياً قوياً فى المحافل الدولية. وفى ظل التضخم العالمى واضطراب سلاسل الإمداد، يصبح الدور الاقتصادى للمواطن محورياً. لا يطلب من المواطن المعجزات، بل ممارسة سلوكيات اقتصادية رشيدة تعزز من صمود الدولة.. الثقافة الاستهلاكية الواعية تسهم فى تقليل الضغط على العملة الصعبة وخفض فاتورة الاستيراد. وكل جنيه ينفق على منتج مصرى هو دعم مباشر لفرص عمل الشباب وتقوية للصناعة الوطنية. ولابد من تشجيع الشباب على الاتجاه نحو المشروعات الصغيرة والمتوسطة بدلاً من انتظار الوظائف الحكومية يسهم فى تحويل المجتمع من مستهلك إلى منتج، وهو جوهر خطة الدولة للإصلاح الهيكلى.
ولا تستطيع أى حكومة فى العالم، مهما بلغت قوتها، أن تلبى كافة احتياجات المجتمع بمفردها، خاصة فى أوقات الأزمات. هنا يأتى دور المجتمع المدنى والمبادرات الفردية. إن المبادرات التى تهدف إلى مساعدة الفئات الأكثر احتياجاً مثل حياة كريمة فى شقها الشعبى تعزز السلم المجتمعى. كما أن شعور المواطن بآلام أخيه المواطن ومحاولة تخفيفها يمنع حدوث التصدعات الاجتماعية التى تراهن عليها القوى المعادية. وكذلك لابد من الانخراط فى العمل التطوعى لتطوير التعليم أو الصحة أو البيئة، يوفر على الدولة موارد ضخمة يمكن توجيهها لمشاريع استراتيجية أخرى. إن الانكفاء على الذات بدعوى أن صوتى لا يغير شيئا هو أكبر خطر يواجه الدولة.
المواطن الإيجابى هو الذى يطرح الحلول ولا يكتفى برصد المشكلات، هو الذى يمارس حقه فى الرقابة الشعبية البناءة التى تهدف للإصلاح لا للهدم، والتى تدفع المسؤولين نحو أداء أفضل.
لا يخفى على أحد أن مصر محاطة بحزام من النار، أزمات فى الشرق، والغرب، والجنوب. فى هذه اللحظات يكون التماسك الداخلى هو قوة الردع الحقيقية. عندما يرى العالم أن الشعب المصرى يلتف حول دولته رغم المصاعب المعيشية، تصل رسالة واضحة بأن الدولة المصرية عصية على الانكسار. إن ثبات الجبهة الداخلية هو ما يمنح المفاوض المصرى القوة فى كل الملفات.









