التفاوض تحت النيران.. أمر غريب وربما بدعة فى تاريخ الحروب.. إذ كيف أتفاوض كدولة وأنا تحت سيف الارهاب والقصف المستمر.. بالتأكيد يضطر الذى فرضت عليه الحرب إلى الرد بالمثل لإلحاق أكبر قدر من الضرر للطرف المعتدى وهكذا دواليك.. مما يصعب من مهمة التفاوض أو حتى الوصول إلى نقطة النقاط فى الرؤي، هذا ما يحدث حالياً منذ 2 مارس الماضى عندما شنت الولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل حرباً مباغتة على إيران رغم محاولات التفاوض التى سبقتها مما يفقد الثقة بين الاطراف المتحاربة ويطيل أمد الحرب.
وبالتأمل فى الأحداث الجارية والتى يتابعها العالم أجمع منذ أكثر من شهر يجد المحللون العسكريون والسياسيون أنه لا ضوء فى نهاية النفق ولا أمل يلوح فى الأفق بوقت الحرب التى من وجهة الكثير الجميع فيها خاسر سواء بالداخل الأمريكى والإسرائيلى وبالطبع الإيرانى وحتى الدول الخليجية والعربية بل والعالم أجمع لأن شرارة النيران تطال الجميع اقتصادياً وتجاريًا وأمنيًا بالذات وهذا ما نراه فى المشهد الحالي، ولو تم وقف القتال مؤقتاً لحين الانتهاء من التفاوض ربما لكان الأفضل للجميع، فتتبادل القصف هنا وهناك يزيد من استنزاف الاقتصاد لتلك الدول المتحاربة على المدى البعيد، فكل صاروخ أو طلعة طائرة حربية تكلف الملايين من الدولارات وتخيل أن أكثر من 500 ألف قذيفة وصاروخ بين الأطراف بالمقاييس العسكرية تقريباً كلفت كم من الأموال واستنزاف للذخيرة والخسائر مرشحة للمزيد طالما لا إنصات لصوت العقل وطالما كان التفاوض تحت النيران وفق الاستراتيجية الامريكية الإسرائيلية التى إبتدعت تلك الرؤية الظالمة، على اعتبار أن واشنطن وتل أبيب هى الأكثر طولاً فى الحرب والأقرب انتصاراً وفق وجهة نظرهم، فالأولى هى الأقوى عسكرياً فى العالم ولديها أساسات لا حق لها والثانية تعتبر نفسها أن الحرب ستحقق لها ما تسعى إليه وهو حلم إسرائيل الكبري.
الغريب أن هذه الحرب المشتعلة لم تجد آذاناً صاغية للاستماع إلى العقل لا من مجلس الأمن المعنى أصلاً ولا حتى من الدول التى كنت أفترض وغيرى أن تبادر بالضغط لوقف القتال أو حتى الدعوة لانعقاد جاد للأمم المتحدة لبحث هذا الأمر الذى نعتبره خراباً وخسارة للجميع، وإذا لم تجد آذانا صاغية واجماعاً من المنظمة الأممية فمن نجد؟.. الأمر الذى يترتب عليه الوصول إلى منطق الغابة والانتصار للأقوى وايضا فقدان الثقة فى المنظمة الدولية التى تم تأسيسها أصلاً لمثل هذه البلطجة والاعتداء على الغير بعد الحرب العالمية الثانية.
الغريب أن واشنطن فرضت 15 شرطاً لوقف الحرب من الصعب تحقيق بعضها، وكأنها شروط لإجبار إيران على الاستسلام، وألا وقد أعلن الرئيس الأمريكى فى مؤتمر الاستثمار قبل أسبوع أنه على طهران إعلان الاستسلام، وكان يتحدث لأكثر من ثلثى الساعة بلغة المنتصر متخيلاً أنه يحمل على رأسه أكليل الغار، وهذا غرور ما بعده غرور الأمر الذى جعل مئات الآلاف بطول الولايات المتحدة وعرضها فى مظاهرات رافضة سلوك ترامب المتهور الذى أعلن الحرب دون موافقة الكونجرس أو حتى إخطار مسبق، وهذا ضرب للقوانين الامريكية بل وخرق لمواثيق الأمم المتحدة وكأن واشنطن هى مجلس الأمن وفوق الجميع وعلى كافة الشعوب الاصغاء والخنوع وهذا لا يجوز، لأن واشنطن ستخسر الكثير من السمعة والمصداقية وستفقد الكثير من الحلفاء خاصة فى دول الخليج الذين من وجهة نظرى استغربوا من ممارسات تلك الدولة المتحيزة وتيقن المحليين السياسيين أن القواعد العسكرية ليست لحمايتهم دائماً بل لحماية المصالح الأمريكية والحقيقة أن الاستراتيجية إسرائيل هى المحرك الرئيسى للسياسة الامريكية وسبب هذه الحرب الإيرانية بل وسبب كل بلاء وخراب فى الشرق الأوسط بالذات.
الحقيقة أعجبتنى حكمة الرئيس السيسى ورؤيته الثاقبة فى التعامل مع هذا الأمر، حيث دعت القيادة السياسية مراراً منذ بدء الحرب إلى الانصات لصوت العقل واللجوء إلى المفاوضات وأرسل الرئيس وزير الخارجية إلى باكستان التى دعت إلى الوساطة بحضور مصر وتركيا والسعودية أصحاب صوت العقل والحكمة، متمنياً تكليل الجهود بالنجاح وبالتالى وقف الحرب لتقليل حجم الخسائر ولعدم الانزلاق إلى حرب لا يعلم أمدها إلا الله









