للحروب أخلاقيات تحترمهما جيوش الدول الكبيرة المتحضرة ولا تتخلى عنها حتى لو تجاوز العدو .. فالحرب فى حقيقتها مرآة تكشف مدى تحضر الأمم أو تخلفها، ومدى احترامها لحقوق الإنسان خاصة عندما يكون هذا الانسان مغلوبا على أمره لا ناقة له ولا جمل من تلك الحروب التى تنشب حوله.
المتابع لأحداث وتفاصيل الحرب الأمريكية الاسرائيلية على إيران وجنوب لبنان وردود فعل ايران وهجماتها على دول الخليج يرى كثيرا من قيم وأخلاقيات الحروب غائبة تماما عن المشهد وعن ساحات المواجهة.. فقد دفنت الإنسانية تحت أنقاض تلك الحرب منذ اللحظة الأولى لبدء عدوان التحالف الامريكى الصهيونى على إيران حيث قصفت طائراتهما الحربية مدرسة للفتيات لتلقى أكثر من 180 فتاة مصرعهن مع مدرسيهن، وهم بالتأكيد لسن هدفا عسكريا، ولسن طرفا فى الحرب، ولا يشكلن خطرا على الطائرات المهاجمة، ولا حول ولا قوة لهن لدفع هذا العدوان.
فى خضم التصعيد العسكرى المتسارع، تراجعت وأختفت القيم الأخلاقية التى تجسد قيم النبل والفروسية لجيوش تفتخر بأنها الأقوى والأكثر حسما بين جيوش العالم.
فالطائرات الحربية الأكبر والأكثر تفوقا بين مثيلاتها، والصواريخ والقنابل الثقيلة الأكثر تدميرا، لم تجلب لأصحابها مجدا تاريخيا ولا تفوقا بقدر ما جلبت لها اللعنة والشجب حيث اختفت من ممارساتها قيم النبل والفروسية واحترام حقوق الانسان.
المؤسف أن نتائج هذه الحرب تقاس فى نظر هؤلاء بحجم الدمار والقتل والاغتيالات والخراب الذى نتج عنها حيث لا يمر يوم دون أن يخرج علينا القيادات الامريكية والصهيونية ليحدثونا عن حجم الدمار والخراب الذى احدثوه فى إيران وجنوب لبنان مع أن مشاهد استهداف منازل المدنيين ومقومات حياتهم، دون أن نجد أدنى تقدير لحقوق الانسان الذى دفنت انسانيته تحت الانقاض وهو ما يعنى عدم الالتزام بالحد الأدنى من القيم الإنسانية.. مما دفع العديد من المنظمات الغربية الى التهديد باستهداف مدنيين وقتلهم وتدمير مقومات حياتهم.. فالمدارس والمستشفيات والجامعات ومحطات المياه والكهرباء والمخابز والمتاجر ليست منصات عسكرية ولا يجوز استهدافها فى الحروب بأى حال من الأحوال.
>>>
السؤال المهم هنا: هل القتل والتخريب والتدمير له قواعد وأصول ؟؟
الإجابة: نعم هناك قواعد لـ«أخلاقيات الحرب» تترجم ما نص عليه القانون الدولى الإنساني، بهدف حماية المدنيين وتقليل الخسائر غير الضرورية.. لكن ما نشهده اليوم يعكس واقعا مختلفا؛ حيث تختلط الأهداف العسكرية بالبنية المدنية، وتستباح المدن تحت ذرائع أمنية، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
إن أول وأخطر مظاهر غياب الأخلاقيات يتمثل فى استهداف البنية التحتية الحيوية، فحين تقصف منشآت الطاقة والمرافق الأساسية، لا يتوقف الضرر عند حدود الاقتصاد، بل يمتد ليصيب حياة المواطنين اليومية: انقطاع الكهرباء، نقص الوقود، تعطل المستشفيات، وتراجع الخدمات الأساسية.. هنا لا يكون الاستهداف عسكريا بحتا، بل يتحول إلى ضغط جماعى على شعب كامل، وهو ما يتعارض بوضوح مع مبدأ «عدم معاقبة المدنيين».
أما المشهد الإنسانى، فهو الأكثر قسوة، فهناك عائلات تجبر على النزوح، أطفال يعيشون تحت وطأة الخوف المستمر، ومرضى يفقدون حقهم فى العلاج بسبب انهيار المنظومة الصحية، هذه ليست أضرارا جانبية كما يروج لها، بل نتائج مباشرة لسياسات عسكرية تتجاهل الإنسان كقيمة وتتجاهل حقوقه التى كفلتها الاديان السماوية والمواثيق الدولية.
وفى ظل هذا الواقع المؤسف تهدر كل حقوق الإنسان ونرى مظاهر التنكيل به ومضاعفة معاناته تحت ضغوط يومية تمارسها دائما تلك الجيوش التى تستبيح حقوق الانسان، وتحاول أن تغطى فشلها فى ساحات المواجهات بجرائم حرب تستوجب محاكمة قادتها أمام المحاكم الدولية.
فكل قواعد المواجهات العسكرية النظيفة تؤكد ضرورة الفصل بين المدنيين والمقاتلين.. وهذا مالم نراه فى الحروب المدمرة التى شاهدناها خلال الأسابيع الماضية ولا تزال تشتمل على تجاوزات ضد حقوق المدنيين الذين يدفنون يوميا تحت أنقاض البيوت والمنشآت الحيوية فى البلاد المستهدفة.. ولا يقل خطورة عن ذلك، استخدام الحرب النفسية والإعلامية كسلاح مواز، إذ يتم تضخيم الانتصارات وتبرير الخسائر، بينما تطمس معاناة المدنيين أو تختزل فى أرقام باردة. فى هذا السياق، يفقد الإنسان صوته، وتتحول المأساة إلى مادة دعائية تخدم روايات الأطراف المتصارعة.
المؤسف والمؤلم أن المنظمات الدولية التى سنت القوانين الدولية، تقف عاجزةأمام هذه التجاوزات حيث لم نستمع لإدانات واضحة من القائمين على هذه المنظمات لتظل الإدانة الصامتة والدعم الضمنى هو سيد الموقف، وطبيعى فى هذا المناخ أن تغيب الإرادة الحقيقية لفرض احترام القواعد الإنسانية.
إن أخطر ما فى هذه الحرب ليس فقط حجم الدمار، بل اعتياد العالم عليه، حين تصبح صور الضحايا مألوفة، ويتحول الألم إلى خبر عابر، وهنا نكون أمام انهيار تدريجى للضمير الإنساني، فالحروب تبدأ بالسلاح، لكنها تستمر حين يفقد العالم حساسيته تجاه المعاناة.
فى النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن أى حرب لا تحترم الإنسان، تفقد مشروعيتها مهما كانت مبرراتها.. فالقوة بلا أخلاق لا تصنع أمنا، بل تزرع بذور صراعات أكثر قسوة فى المستقبل، والحرب على إيران، كما تبدو اليوم، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل اختبار حقيقى لقدرة العالم على التمسك بالقيم التى يدعى الدفاع عنها.
فهل يستفيق الضمير الإنسانى قبل أن تتحول هذه الحرب إلى نموذج جديد لانهيار الأخلاق فى زمن الصراعات؟ أم أن الإنسانية ستظل الخاسر الأكبر فى معركة لا صوت فيها إلا للسلاح؟









