<< لا يوجد من يرفض التحديث والتنمية.. ولكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب الهوية والتراث والأصالة.. فنعم للتحديث.. ولا لهدم الهوية.
لو رأيت صورة أو شاهدت فيلماً ويظهر فيه أتوبيس أحمر «بدورين» أو تاكسى أسود «مكعبر» مثل موديلات الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى.. فإنك على الفور تعرف أن المكان هو مدينة لندن عاصمة الضباب.. ورغم أن موديلات السيارات تغيرت وكذلك أشكالها وألوانها إلا أن بلدية لندن تحافظ على الأتوبيسات الحمراء ذات الدورين والتاكسى الأسود كأيقونة للمدينة للحفاظ على هويتها مع تجديد السيارات وبعضها يعمل بالكهرباء وبأحدث تكنولوجيا ولكن يظل «البلاك كاب» رمزاً للندن بشكله الكلاسيكى.
تحاول كل مدينة أن تحافظ على تراثها وما اشتهرت به عبر السنين.. ويقبل السائح دائما على هذه الأشياء سواء أكانت من وسائل مواصلات مشهورة بها المدينة أو معالم وآثار لا توجد فى مكان آخر سواها.. مثل «الركشة» فى الهند أو مراكب السين فى باريس حتى بعد تطور المواصلات واختراع يخوت ولنشات ووسائل أسرع وأريح.. وانما ما يحدث أن يتم تطوير «الأيقونات» القديمة وتحديثها مع ابقائها على حالها بعد جعلها صديقة للبيئة بالتكنولوجيا الحديثة.
مازالت ألمانيا تحتفظ ببقايا من سور برلين الذى كان يفصل بين الألمانيتين «الشرقية والغربية» وكذلك بوابة «براندنبورج» التى أصبحت رمزاً لبرلين.. وفى باريس يمكنك أن تتبع مسار محيط سجن «الباستيل» على الأرض ومكان المفصلة التى أعدم بها الملك لويس السادس عشر وزوجته مارى انطوانيت وفى روما لا يمكن أن تزورها دون أن تتناول الآيس كريم من المحلات المحيطة بنافورة «تريفى».. وحتى فى مدريد عندما أرادوا أن يتخلوا عن «الترولى باص» حولوا بعض عرباته إلى متحف فى وسط البلد يمكن للزائرين مشاهدته والجلوس داخله وتذكر أيام الماضي.. وفى نيويورك لابد لكل من ذهب أن يركب التاكسى الأصفر.. وهكذا أقل مدينة فى العالم لا تتخلى عن ما يميزها وظلت تشتهر به لسنوات.. بل تجدده وتحافظ على روحه.
للأسف.. كانت القاهرة تشتهر بالتاكسى الأبيض والأسود الذى نراه فى أفلام زمان عندما كان السائقون يستخدمون العداد.. وكان من معالم المدينة مثل التاكسى الأسود والأصفر فى الإسكندرية أو الأحمر والأبيض فى القليوبية وكان لكل مدينة ما يميزها من سيارات الأجرة.. وفجأة منذ 18 عاماً وبالتحديد فى عام 2008 بدأ مشروع ادخال التاكسى الأبيض مكان الأسود والأبيض.. وكان هدف هذا الإحلال أن تكون السيارات جديدة حديثة بها تكييف وتعمل بالعداد وتقديم خدمة أفضل.. وللأسف بعد كل هذه السنوات تهالكت التاكسيات البيضاء وبعد فترة وجيزة لم تعد التكييفات تعمل وأصاب العدادات الخرس واصبحت الخدمة أسوأ.. وتاهت هوية المدينة فلا أبقينا على التاكسى الأيقونى الذى يعمل من الخمسينيات ولا حدثنا الخدمة وظهرت شركات جديدة بسيارات ملاكى ولم يعد المواطن يعرف التاكسى الأجرة من غيره.. والأهم «ضاعت» هوية إحدى مواصلات العاصمة.. كما تاهت الأتوبيسات الحمراء والزرقاء.. وأصبحت هناك فوضى بصرية وعاصمة بلا هوية فى وسائل النقل.
< إلى أين يسير العالم؟!..
<< تناولنا فى الأسبوع الماضى «مأساة كرموز» التى هزت المجتمع حيث فوجئ الجميع بأم تقتل أطفالها الخمسة وتطلب من السادس أن يساعدها فى قتل نفسها.. وبعد هذه الجريمة البشعة حاول الابن السادس أن ينتحر لكن الجيران أنقذوه قبل أن يلقى بنفسه من فوق سطوح المنزل.
< قلنا إن هذا خلل فى المجتمعات أدى إلى تغير فى سلوك وطبيعة النفس البشرية.. وهذه الحوادث تكررت كثيراً فى السنوات الأخيرة فى أماكن عديدة من العالم فى أمريكا وأوروبا وآسيا مما يعنى أن الخلل أصاب الانسان على الأرض فى كل مكان.. ولم تقع حوادث قتل الامهات لأطفالهن.. والآباء لأولادهم.. والأبناء لأبويهم.. والأخوة لبعضهم تحت وطأة الحالة الاقتصادية الضعيفة أو الفقر فقط.. لأن هناك أسراً غنية فعلت ذلك..والأسباب متعددة نتيجة لزيادة ضغوط الحياة النفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.. وزيادة جرعات الصنف والانتقام والقتل والتشريد والحروب والدماء فى كل مكان من العالم.. مما أدى لتغير فى الأخلاقيات وانتهاء عصر الرومانسية والتسامح والحب.. وجعل الناس مستفزين وعلى استعداد للقيام بأى رد فعل قوى وعنيف عندما يواجهون موقفاً يتعرضون فيه لضغط أو يظنون أنه أكبر من قدرتهم على التحمل.. أوشعورهم بالاهانة حتى لو كان رد الفعل هذا سيؤدى إلى إيذائهم شخصياً وكأن شمشون عاد من جديد لينتقم أو كأنهم يقولون «علينا وعلى أعدائنا».
الأهم.. هو تأثير «الميديا» فوسائل الاعلام خاصة الدراما فى أفلام السينما وبعض مسلسلات التليفزيون لها مفعول السحر فى تشكيل الوجدان وتغيير المفاهيم ونقل الأفكار التى يريد البعض بثها فى أى مجتمع ويمكنها غرس القيم فى النفوس.. ومن الواضح أن الانتاج العالمى فى هوليود يقود الدراما فى العالم ومنه تقتبس كل الاستديوهات فى الهند «بوليود» وفى أوروبا وفى الدول العربية وحتى فى الصين وكوريا الجنوبية وروسيا فأغلب الأعمال تنشر ثقافة العنف والقتل وأخذ الحقوق باليد وليس بالقانون و«بالعافية» وليس بالتفاهم ونادراً ما تجد أفلاماً رومانسية خلال السنوات الأخيرة أو تدعو للأخلاقيات والتسامح والرحمة بل الانتقام وبأبشع الصور فى القتل بالسكاكين والسنج وتعذيب الضحايا.. مما يترسخ فى أذهان المشاهدين وعندما يتعرضون لأى مضايقة ولو بسيطة يأتى رد فعلهم تلقائياً بالعنف والغل والتشفى وكأنهم يريدون تقليد أبطال الأفلام التى يشاهدونها.. آخر معلومة عن «الميديا» وهوليود أن من يسيطر على معظم وسائل الاعلام الكبرى فى العالم وعلى الاستديوهات الكبرى فى مدينة السينما هم اليهود.
..وللحديث بقية إذا كان فى العمر بقية.









