فى ظل الحرب المشتعلة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخري، تبرز ظاهرة جديدة لم يشهدها التاريخ العسكرى من قبل.. فالحرب لم تعد تُدار فى الميدان فقط، بل تُبنى وتُستهلك وتُفسر فى فضاء موازٍ، هو فضاء الإنترنت، لقد صارت هناك حرب بديلة، تعيش حياة موازية، لها قواعدها الخاصة، وجنودها المجهولون، وإصاباتها التى لا تُحصي.
هذا ما أشارت إليه الكاتبة جنيفر مرتازاشفيلى فى مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست تحت عنوان «الحرب البديلة»، فقد لاحظت – وهى الأستاذة الجامعية التى تقيم فى إسرائيل – أن هناك مسافة تتسع يومًا بعد يوم بين الحرب على الأرض، والحرب كما تُصوَّر على الإنترنت، وخاصة فى الفضاء الأمريكي، إنها فجوة خطيرة، ليس فقط لأنها تشوه صورة الواقع، بل لأنها قد تقود إلى قرارات مصيرية مبنية على أوهام.
المقال شهادة حية من كاتبة تعيش فى إسرائيل، ترى الصواريخ فى السماء، ثم تفتح هاتفها لتقرأ أن الحرب قد دمرت كل شيء، بينما هى لا تزال تشرب قهوتها فى مقهى مزدحم.
تقول مرتازاشفيلي: إن الإنترنت يعرض صورة مختلفة تمامًا عما يحدث على الأرض، فبينما تنتشر الفيديوهات المصورة التى تظهر الدمار والفوضي، فإن الحياة فى إسرائيل وكذلك إيران خاصة مع استمرار أمد الحرب تستمر بشكل طبيعى إلى حد كبير، هذا التناقض بين الصورة والواقع هو جوهر ما تسميه «الحرب البديلة».
وهذا يقودنا إلى سؤال أعمق: كيف يُنتج هذا السرد البديل؟ ومن يقف وراءه؟ ولماذا ينجح فى اجتذاب الملايين؟
ما نراه اليوم فى الحرب على إيران ليس مجرد استمرار للدعاية التقليدية، إنه تحول جذرى فى طريقة بناء السرد، فإن الحرب لم تعد تُروى بالكلمات والصور الثابتة، بل أصبحت تُنتج كـ «محتوى رقمي» يستهلك فى ثوانٍ.
أحد أبرز ما كشفت عنه التغطيات الصحفية لهذه الحرب هو تعدد الفاعلين فى إنتاج السرد، لم تعد الدولة هى صاحبة الاحتكار الوحيد لصناعة الدعاية، هناك شبكة واسعة من اللاعبين: «الدول وأذرعها، المؤثرون وصناع المحتوى، الجهات الخاصة والمجهولة، والجمهور نفسه»، وبالتالى اصبحنا فى زمن «الحرب البديلة»،
لكن فى النهاية، يبقى السؤال الأعمق: ماذا يحدث للحقيقة فى خضم ذلك كله؟ الإجابة المحتملة هى أن الحقيقة تصبح ضحية، فالحرب البديلة لا تخلق واقعًا جديدًا، بل تخلق ضبابًا معرفيًا يجعل من المستحيل معرفة ما يحدث حقًا، وفى هذا الضباب، يصبح السرد الأكثر إقناعًا – وليس الأكثر دقة – هو المسيطر.









