مجموعة من الشباب كزهور تفتحت في إحدى القرى البسيطة بمحافظة المنوفية، خرجوا سعياً وراء الرزق الحلال، استقلوا سيارة “ربع نقل” في الساعات الأولى من الصباح للعمل بمزرعة دواجن كعادتهم في رحلة شقاء وكفاح، لكن القدر كان لهم بالمرصاد. فقد تعرضوا لحادث تصادم مروع مع سيارة نقل أخرى أثناء محاولة السائق تفادي سيارة قادمة في الاتجاه المعاكس، لتكون النهاية الدامية بمصرع 9 منهم وإصابة 3 آخرين، تاركين خلفهم قصصاً وحكايات مؤلمة تدمي القلوب حسرة وألماً على ضحايا “نزيف الأسفلت”.
ضحايا الكارثة
انتقل محافظ المنوفية اللواء عمرو الغريب، واللواء علاء الجاحر مدير الأمن، على الفور برفقة رجال الأجهزة المعاونة لمكان الحادث بمدينة السادات للمعاينة ومتابعة الموقف، والإشراف على نقل الجثامين إلى ثلاجة حفظ الموتى والمصابين إلى المستشفى لتقديم أوجه الرعاية لهم، وسرعة إنهاء تصاريح الدفن وتشييع الجثامين في موكب جنائزي مهيب إلى مثواهم الأخير ببلدتهم قرية “طنوب” بمركز تلا. وجارٍ صرف تعويضات لأسر المتوفين بواقع 600 ألف جنيه لكل حالة وفاة من المحافظة ووزارتي التضامن والعمل.
أحزان قرية
قصة شباب قرية “طنوب” مأساة حقيقية هزت وجدان كل من سمع بها، وحولت البلدة التي اتشحت بالسواد إلى سرادق عزاء كبير؛ فقد راح ضحيتها تسعة أشخاص أبرياء دفعة واحدة، وثلاثة آخرون يصارعون الموت بالمستشفى نتيجة استهتار وتهور سائقين “معدومي الضمير”. يعيش الأهل وذووهم مرارة الفقد لمن كانوا يتولون رعايتهم وتحمل مسؤوليتهم بعدما خطفهم الموت غدراً وبلا سابق إنذار. ومن بين الضحايا شقيقان، وشاب وعمه، وآخر كان مسؤولاً عن أسرته بعد وفاة والده منذ نحو عام؛ حكايات توجع القلب لضحايا يربطهم جميعاً نسب ومصاهرة وصلة قرابة.
تفاصيل المأساة
كشفت التحقيقات المبدئية عن تفاصيل الحادث، وأكدت أن ضحايا الكارثة كانوا مكافحين منذ نعومة أظفارهم؛ فرغم وجود معظمهم في مراحل التعليم المختلفة، إلا أن ضغوط الحياة فرضت على كل منهم مواجهة الأزمة مبكراً وتحمل المسؤولية تجاه ذويهم بحب وحماس، بعيداً عن “الدلال” الذي ينعم به أقرانهم، حتى وقعت الكارثة المدمرة لأحلامهم وطموحاتهم البسيطة.
شهداء لقمة العيش
تبين بعد الفحص والتحري أن “شهداء لقمة العيش” كانوا يخرجون يومياً عند الفجر للعمل باليومية، وأثناء استقلالهم السيارة الربع نقل بأحد طرق مدينة السادات، تبدل حال البهجة فجأة بظهور “شبح” سيارة في المواجهة، ليقع تصادم بشع في لمح البصر، وتتعالى صرخات الاستغاثة التي هزت أرجاء الحي الهادئ، وتتمزق أجسادهم من شدة الاصطدام في مشهد يصعب وصفه أدى لتوقف حركة المرور.
تحقيقات النيابة
فور وقوع الحادث في السابعة صباحاً، وصلت سيارات الإسعاف وقوات الأمن، وتم نقل الضحايا للمستشفى تحت تصرف النيابة العامة برئاسة المستشار الدكتور أحمد أبو الخير المحامي العام، والتي قررت انتداب مفتش الصحة لتوقيع الكشف الطبي والتصريح بالدفن، كما قررت النيابة حبس المتهم أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد له في الموعد القانوني لحين إحالته للمحاكمة.
مشهد الوداع
بمجرد انتشار الخبر، تجمع أهالي القرية في حالة فزع وانهيار وبكاء هستيري أمام المستشفى، وفي مشهد تذرف فيه الدموع أنهاراً، ودع الأهالي ذويهم داخل ثلاجة حفظ الموتى؛ نهاية بشعة دمرت أسراً كاملة بسبب جنون السرعة على الطرق من سائقين ضربوا بالقانون عرض الحائط على حساب أرواح الأبرياء.
أسماء الضحايا
كشفت البيانات الرسمية عن قائمة المتوفين، وهم من أبناء مركز تلا: (المصري عبد الله قطب خضر “42 عاماً”، حامد صبري حامد “55 عاماً”، محمد بركات شعبان “27 عاماً”، محمد ياسر الزنفلي “17 عاماً”، صبري حامد صبري “17 عاماً”، علي فاروق البلتاجي “40 عاماً”، إبراهيم غطاس “26 عاماً”، وحامد بركات شعبان “32 عاماً”).
دعم حكومي شامل
أكد محافظ المنوفية أن إجمالي الدعم المقرر هو 600 ألف جنيه لكل حالة وفاة (300 ألف من المحافظة، و200 ألف من وزارة العمل، و100 ألف من وزارة التضامن الاجتماعي)، تنفيذاً لتوجيهات القيادة السياسية بتقديم المساندة المادية والمعنوية للأسر المتضررة، مشدداً على أن التحقيقات متواصلة وأن المخطئ لن يفلت من العقاب ثأراً لدماء الضحايا وأرواحهم الطاهرة. كما أوضح أنه جارٍ التنسيق لصرف تعويضات المصابين وفقاً للتقارير الطبية، مؤكداً استمرار تقديم أوجه الرعاية الكاملة لهم، وأنَّ مكتبَه مفتوحٌ دوماً لكل أهالي المحافظة، حريصاً على سماع شكاواهم ومحاسبة المقصرين بالقانون وتلبية احتياجاتهم قدر المستطاع منذ توليه المسؤولية.
















