في الوقت الذى كان فيه الفلسطينيون يحيون الذكرى الخمسين لـ«يوم الأرض»، أقدمت إسرائيل على ارتكاب جريمة جديدة بإقرار مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، في خطوة وُصفت بأنها تعكس تمادي سلطات الاحتلال الإسرائيلي في سياسات الفصل العنصري والانتهاك الصارخ لكل المواثيق والأعراف الدولية ضد الشعب الفلسطينى.
ووفق تقديرات منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية، يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو 9500 أسير، بينهم 66 سيدة، يعانون من ظروف اعتقال قاسية تشمل التعذيب والتجويع والإهمال الطبي. كما تشير التقديرات إلى أن عدد الأطفال الأسرى بلغ 350 طفلا، يحتجزهم الاحتلال في سجني مجدو وعوفر.
وتقول حملة «الأشرطة الحمراء»، وهي حراك تضامني دولي أطلق في أوائل هذا العام للتوعية بمخططات الإعدام الممنهج والظروف القاسية التي يواجهها الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، إن بين هؤلاء الأسرى 3442 معتقلا إداريا دون تهمة أو محاكمة، إضافة إلى 1249 من أهالي قطاع غزةالذين يواجهون الإخفاء القسرى بدعوى أنهم «مقاتلون غير شرعيين».
وتستخدم إسرائيل ما يُعرَف بـ«الاعتقال الإدارى»، وهو قانون يعود إلى الحقبة البريطانيةقبل عام 1948، يتيح احتجاز الفلسطينيين دون محاكمة، استنادا إلى ما تصفه الأجهزة الأمنية بملفات سرية، لفترات تتراوح بين 3 و6 أشهر قابلة للتجديد إلى أجل غير مسمى.
وأشار بيان للحملة إلى استشهاد 88 أسيرا داخل سجون الاحتلال منذ أكتوبر2023، مما يرفع العدد الإجمالي إلى 325، مع استمرار احتجاز جثامين 766 أسيرا.
وكانت عائلات الأسرى وصفت السجون الإسرائيلية بأنها «مقابر الأحياء»، مشيرة إلى تدهور الظروف الصحية والنفسية للمعتقلين، وازدياد صعوبة الحياة اليومية داخل الزنازين، مع تقليص كميات الطعام ومنع الزيارات في أوقات متعددة.
أقرار الكنيست الإسرائيلى بالقراءة النهائية قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذى قدمه وزير الأمن القومي المتطرف فى الحكومة الإسرائيلية إيتمار بن جفير، جاءفى جلسة تصويت، شهدت موافقة 62 عضوا مقابل معارضة 48 على إقرار القانون.
وعقب التصويت، احتفل الارهابى بن جفير داخل الكنيست، حيث ظهر في مقطع مصور وهو يوزع مشروبات كحولية على الحضور، واصفا تمرير القانون بأنه «حدث تاريخى»، وقال: «قريبا، سيتم إعدامهم واحدا تلو الآخر».
ويشير مراقبون إلى أن القانون يمنح وزير الأمن القومي الإسرائيلى صلاحيات تنفيذية واسعة، بما يشمل إمكانية تطبيق الإعدام من دون طلب النيابة العامة أو موافقة جماعية من القضاة العسكريين.
وفي حالات نادرة، صدرت فيها أحكام بالإعدام عن محاكم عسكرية فى قضايا مرتبطة بأسرى فلسطينيين، جرى تخفيفها جميعا إلى السجن المؤبد بعد الاستئناف، لكن في أعقاب حرب الـ 7 من أكتوبر 2023، تصاعدت الدعوات داخل إسرائيل لإقرار قانون يعيد العمل بعقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين الذين تُدينهم المحاكم العسكرية أو الجنائية الإسرائيلية. ويقول مؤيدو المشروع تحديدا اليمين المتطرف في تل أبيب إن العقوبات الأشد ضرورية بعد تلك الهجمات.
الخبراء والسياسيون:
جريمة إسرائيلية جديدة.. مكتملة الأركان

متابعة: أسماء عجلان – محمد نجيب – نهى أبو العزم – نفيسة مصطفى –
دعاء مجدى – فاتن محمود :
وسط ضجيج الانفجارات وأزيز المقاتلات والصواريخ العابرة للحدود، فى منطقة صراع ساخنة، وأزمات عالمية طاحنة نتيجة حرب إقليمية، طرفاها الرئيسيان هما الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وإيران من جهة أخري.أقر الكنيست الإسرائيلى قانوناً «مشبوهاً» يجيز تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين فى خطوة وصفت بأنها سابقة خطيرة وتكريس لنظام فصل عنصرى يستهدف الفلسطينيين، أصحاب الحق فى الأرض وتقرير المصير.
د. محمد مهران – أستاذ القانون الدولى العام – أن إقرار القانون استعراض علنى للوحشية والتمييز والاستهتار التام بحقوق الإنسان وأن التعديل المضاف إلى قانون العقوبات يوسع نطاق هذه العقوبة بشكل خطير، مطالباً المجتمع الدولي ممارسة أقصى الضغوط على سلطات الاحتلال لإلغاء هذا القانون فورا والعمل على إلغاء عقوبة الإعدام بشكل كامل وشامل.
مؤكداً أن التشريع الجديد يوسع بشكل خطير نطاق عقوبة الإعدام ويهدم الضمانات الأساسية لمنع الحرمان التعسفى من الحق فى الحياة وضمان المحاكمة العادلة ويعزز نظام الفصل العنصري المفروض على الفلسطينيين.
مشيراً إلى أن القانون يفرض عقوبة الإعدام شنقا فى المحاكم المدنية حال القتل المتعمد ويقيد الوصول إلى المحامين وزيارات العائلة ويحد من الرقابة الخارجية ويمنح حصانة للمتورطين فى تنفيذ الإعدامات. ويفرض الإعدام على القتل المصنف «عملا إرهابيا» دون طلب من النيابة، لافتا أن هذا القانون يمثل جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات الممنهجة التى تمارسها سلطات الاحتلال الصهيونى بحق الشعب الفلسطينى ويعكس نهجا عنصريا يضرب بعرض الحائط أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان ويشرع القتل خارج إطار القانون.
فيما طالب الدكتور حسن سلامة – أستاذ العلوم السياسية – بضرورة إلغاء القانون فوراً لأنه يرسخ انتهاك حظر الفصل العنصرى ويشكل خرقا للحظر الدولى المفروض على العقوبات القاسية والمهينة.
مبيناً أن مشروع القانون يتضمن تعريفا غامضا وفضفاضا للإرهاب مما يعنى احتمال فرض عقوبة الإعدام بسبب سلوك لا يعد إرهابيا بطبيعته كما أنه يحمل بالفعل تداعيات كبيرة على عائلات الأسرى والمجتمع الفلسطيني، حيث تسود حالة من القلق والترقب خاصة لدى عائلات الأسرى المعتقلين من قطاع غزة أو الضفة الغربية وسط مخاوف من تطبيق عقوبة الإعدام بحقهم إلى جانب القلق لدى عائلات الأسرى المحكومين بالمؤبد من إمكانية شمولهم بهذا القانون.
أشار سلامة إلى أن إقرار قانون الاعدام بحق المعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلى يشكل تصعيدا خطيرا وتحدياً للمجتمع الدولى ولكل القوانين الدولية، معتبرا إياه قانوناً عنصرياً فاشياً يصدر من حكومة يمينية متطرفة كرست كل عملها على مدار الفترة الماضية اى من أجل الانتقام من الشعب الفلسطينى وفى محاولة لمحو أى وجود فلسطيني.
مبيناً أن هذا القانون جاء فى سياق تحريضى من قبل مجموعة من قادة الاحتلال الذين لم يتوانوا فى إصدار التهديدات والتعليمات للسجانين من الانتقام من الأسرى الفلسطينيين عبر العديد من الجرائم الطبية وجرائم التجويع والانتهاكات الجسيمة التى ترقى الى مستوى جرائم بحق الإنسانية والتى ارتكبت داخل المعتقلات على مدار أكثر من عامين ونصف.
فيما أوضح ناجى الشهابى، رئيس حزب الجيل الديمقراطى وعضو مجلس الشيوخ أن هذا القانون يُعد انتهاكًا صارخًا لكافة قواعد القانون الدولى الإنساني، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، التى تحظر بشكل قاطع إعدام الأسرى أو معاملتهم معاملة غير إنسانية.
وأوضح رئيس حزب الجيل أن تمرير هذا التشريع لا يمكن فصله عن سياسة ممنهجة تستهدف تصفية القضية الفلسطينية من خلال شرعنة القتل خارج إطار القانون، فى ظل صمت دولى مريب، وتواطؤ مكشوف من بعض القوى الكبرى التى تدّعى الدفاع عن حقوق الإنسان.
مؤكداً أن هذا القانون لن يكسر إرادة الشعب الفلسطيني، ولن يُضعف من صموده، بل سيزيده تمسكًا بحقوقه المشروعة فى الحرية والاستقلال، وسيظل الأسرى رمزًا خالدًا للنضال الوطنى لا يمكن تصفيته بقرارات عنصرية أو قوانين جائرة.
أكد د. أحمد ترك عضو مجلس الشيوخ وأمين سر لجنة الشئون الدينية أن إسرائيل بعدما ارتكبت كل الجرائم وتجاوزت فيها القتل وهدم البيوت والاعتداء على الأبرياء قامت بإصدار هذا القانون لإضفاء صفة الشرعنة على الجرائم وهذه جريمة أكبر منها على الأخلاق وتهديد السلم العالمى.
أضاف أن إصدار هذا القانون محاولة للقضاء على فلسطين وانتهاك حقوق الإنسان والأسرى الفلسطينيين، والقانون الدولى الذى يجرم قتل الأسير حتى فى الشريعة اليهودية، وهذا يدل على أن إسرائيل دولة ترتكب أفظع الجرائم فى ظل غياب منظمات المجتمع الدوليي، وأن هذا القانون أصدر شهادة وفاة للمؤسسات الدينية وقانون الأمم المتحدة الصادر عام 1945 ولم يبق له أى أثر، مشيراً إلى أن تطبيق هذا القانون على الشعب الفلسطينى يسهل تطبيقه بعد ذلك على أى شعب آخر، كما أن الوطن العربى كله لم يبق فيه إلا السياسة المصرية الرشيدة ولا يوجد مدافع حقيقى عن الشعب الفلسطينى سوى القيادة المصرية وإذا أراد المجتمع العربى إنقاذ نفسه أن ينضم للقرار المصرى.
فيما أكدت د.نهلة الصعيد مستشار شيخ الأزهر لشئون الوافدين أن السعى إلى إقرار تشريعات تُجيز إعدام الأسرى الفلسطينيين تعبير صريح عن اختلال عميق فى ميزان العدالة، وانحراف خطير عن أبسط المبادئ التى اتفقت عليها الإنسانية عبر تاريخها، فالقانون الذى يُفترض أن يكون أداةً لصون الحقوق، لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لتبرير سلب الحياة وإضفاء الشرعية على العدوان، مضيفة أن محاولة إلباس هذه السياسات ثوب القانونية لا تُغيِّر من حقيقتها شيئًا، بل تزيدها قبحًا؛ إذ تكشف عن إرادة مبيتة لشرعنة القهر، وتطبيع الظلم، فى مشهد يفتقر إلى الحد الأدنى من الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، مشددة أن الأسرى فى كل الشرائع السماوية والمواثيق الدولية لهم حقوق مصونة لا يجوز المساس بها، وأى تجاوز لهذه الحقوق يُعد انتهاكًا صارخًا لايمكن السكوت عنه، ولا تبريره تحت أى ذريعة.
استنكر د. حسن القصبى الأستاذ بجامعة الأزهر القانون مؤكداً مخالفته العدل والإنسانية والأعراف الدولية، ووصفه بالنموذج الصارخ للاعتداء على حرمة النفس التى حرم الله عز وجل التعدى عليها إلا بحقها، عبر مسار قضائى بقاض عدل، مشيراً إلى أن هؤلاء الأسرى لهم حقوق وهذا تجاوز لاتقره الشرائع السماوية والمواثيق التى يتشدق بها البعض بين الحين والآخر، مضيفا أن الجريمة الموجهة للأسرى الدفاع عن الأرض والعرض، متسائلاً كيف نكون فى مجتمع يسفك دماء من يدافع عن أرضه وعرضه، موضحاً أن الموازيين تنقلب فيصبح المظلوم ظالماً والمدافع عن أرضه مجرماً، مع أن المجرم فى عرف العقلاء هو الذى يحتل الأرض ويستحل الدماء.
فيما أكدت د.إلهام شاهين أمين عام مساعد مجمع البحوث الإسلامية أن هذا القانون يفتح باباً كبيراً جداً للقتل والفساد، ومزيداً من الإرهاب وإراقة الدماء البريئة، مطالبة التحرك واتخاذ موقف ضد هذه المهزلة والاعتداء الظالم، موضحة أنه لانتوقع العدل مع الأسير فى ظل الاحتلال الغاشم الذى يحتل الأرض ويسلب مقدراتها ويعتدى على نسائها وأطفالها، وأن هذا القانون ظلم بين للمجتمع وهذه الدماء فى رقبة المجتمع الدولي.
أكد د. أيمن الرقيب استاذ العلوم السياسية بجامعة القدس إن إقرار هذا القانون جاء ضمن صفقة سياسية بين وزير الأمن القومى الإسرائيلى إيتمار بن غفير وبنيامين نتنياهو وائتلاف الحاكم مشيراً إلى أن هذه الخطوة تعكس توجهاً متطرفاً داخل الحكومة الإسرائيلية نحو تشديد الإجراءات العقابية بحق الفلسطينيين بما فى ذلك إقرار عقوبة الإعدام بحق الأسري.
وأشار إلى أن ردود الفعل الدولية على القرار لا تزال محدودة حتى الآن.. والسلطة الفلسطينية وعدد من الدول العربية والإسلامية أدانت القرار كما صدرت مواقف رفض من عدد من الدول الأوروبية قبل صدور القانون من بينها إسبانيا وإيطاليا وفرنسا إلى جانب دول أخرى عبرت عن رفضها لهذه الخطوة مضيفاً أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحركات فلسطينية داخلية خاصة فى الضفة الغربية، فى محاولة للرد على هذه السياسات ورفع كلفة الاحتلال فى ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين.
وأوضح أن قطاع غزة يعيش حالة إنهاك شديدة نتيجة الحرب المستمرة بينما تتعرض الضفة الغربية يومياً لانتهاكات واعتداءات من قبل المستوطنين وقوات الاحتلال وهو ما قد يدفع الشارع الفلسطينى فى الضفة الغربية إلى تصعيد المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلى خلال الفترة المقبلة.
وقال د. سهيل دياب أستاذ العلوم السياسية فى جامعة الناصرة: إن تداعيات هذا القانون وتوقيت الخروج به يدل على أنه يتضارب مع كافة القوانين فى إسرائيل ويتعارض مع القانون الدولى وهناك انتقادات دولية وأن أهم ما تضمنه القانون هو الانقلاب على المنظومة القضائية المتعارف عليها فى إسرائيل وهو ما يريده اليمين المتطرف الفاشى وهو العقلية الاستيطانية وهذا الجناح قرر حسم العديد من الملفات الداخلية وهو من أهم القوانين التى تعبر عن هذا الحسم من الاحتلال لأن الهدف منه ليس توحيد المجتمع الإسرائيلى وإنما هو تحضير للقاعدة التى تحيط رئيس الوزراء نتنياهو وهذا القانون يوضح النقاش منذ فترة طويلة لعقيدتين فى الداخل الإسرائيلى وأن إحداهما المدرسة الأمنية التى تقوم على الردع والأخرى بمزيد من القوانين المتطرفة وتفجير الأمور وإمكانية قيام انتفاضة فى الضفة ويريدون قمعها وأن القانون هو فى الأساس لمواجهة العمليات المنفردة والتى لا يتم السيطرة عليها بالوسائل التكنولوجية والمخابراتية.
وأوضح دياب أن حجة اليمين المتطرف هو تغيير كافة المعادلات التى أدت إلى تفجر الأوضاع وتبادل الأسرى ولكن السؤال.. كيف يمكن تغيير معادلة خطف جنود إسرائيليين بقتل الأسرى مضيفاً أنه أمام هذه الحجج الأساسية هناك تيار آخر يتحدث عن رفضه وأن العمليات الفدائية هى استشهادية ومن الممكن أن تزيد وهذا يجعل الأمور الأمنية أكثر تعقيداً وهناك اتجاه إلى الاتفاق على ما يقوم به اليمين المتطرف خاصة انهم أصبحوا فى كل مفاصل الدولة والتوقيت مهم لأن رئيس الوزراء نتنياهو يخاطب القاعدة الانتخابية له ويزيد من شعبيته واللعب بالقانون انتخابيا وتمرير الميزانية وكل ما يريده وهو له أهداف داخلية كثيرة.. وهناك توجهات قانونية دولية تجاه هذا القانون.









