بينما تقف المنطقة على حافة هاوية غير مسبوقة، وفى ظل اشتعال فتيل المواجهة المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخري، جاءت كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسى خلال انطلاق مؤتمر «إيجبس 2026» لتضع النقاط على الحروف، وترسم ملامح «النهج المصري» لإدارة الأزمات الكبري. لم تكن دعوة الرئيس المباشرة لنظيره الأمريكى دونالد ترامب مجرد نداء إنساني، بل هى «دبلوماسية قمة» مدروسة، تستند إلى ثقل تاريخى وقراءة واقعية للمخاطر التى تهدد أمن الخليج واستقرار الإقليم بأسره.
حين أكد الرئيس السيسى أن «الرئيس ترامب هو الوحيد القادر على إيقاف الحرب»، فإنه لم يكن يتحدث بمنطق التمني، بل بمنطق «الضرورة السياسية». القاهرة تدرك جيداً أن بنية القرار فى واشنطن حالياً تتطلب إرادة سياسية حازمة قادرة على لجم التصعيد ومنع تحوله إلى صراع «صفري».
هذه الرسالة لم تكن مجرد مناشدة دبلوماسية تقليدية، بل حملت بعدًا إنسانيًا واضحًا، إذ خاطب السيسى نظيره الأمريكى «باسم الإنسانية وكل محب للسلام»، محذرًا من خطورة التداعيات المحتملة للحرب. وهنا، تتجلى الرؤية المصرية التى تدرك أن استمرار التصعيد لن يقتصر أثره على الأطراف المتحاربة، بل سيمتد ليشمل أمن الطاقة العالمي، وسلامة الممرات البحرية، وربما يتطور إلى كوارث بيئية أو نووية فى منطقة شديدة الحساسية.
التحرك المصرى لا ينفصل عن الحراك الدبلوماسى المكثف الذى شهدته إسلام آباد مؤخراً. إن بروز التكتل الرباعى «مصر، السعودية، تركيا، وباكستان» يمثل ولادة لنظام إقليمى جديد يسعى لعدم جر المنطقة إلى صراعات ممتدة لعقود.
القاهرة، ومن خلال انخراطها فى هذا المسار، تعمل على بلورة موقف جماعى يرفض أن تكون المنطقة مسرحاً لتصفية الحسابات. إن نجاح هذا التكتل فى انتزاع موافقة إيرانية -ولو رمزية- لتأمين مرور السفن فى مضيق هرمز، يثبت أن «الوساطة الإقليمية» التى تقودها مصر وشركاؤها هى القناة الأكثر موثوقية لدى كافة الأطراف، بما فى ذلك طهران.
القراءة التحليلية للموقف المصرى تشير إلى وعى عميق بـ «المعضلة البنيوية» فى السياسة الدولية؛ فبينما تسعى إسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض عبر التدمير والضم، وتدفع إيران بالمنطقة نحو حافة الانفجار، تقف مصر كحائط صد يمنع انزلاق الشعوب فى المنطقة إلى «حرب كبري» تستنزف ثروات الأجيال القادمة.
إن قوة الموقف المصرى تكمن فى قدرته على الربط بين «الردع» و»الدبلوماسية». فالقاهرة لا تقدم وعوداً وردية، بل تحذر المجتمع الدولي، وتحديداً الإدارة الأمريكية، من أن غياب آلية ضغط فعالة على إسرائيل سيجعل من أى اتفاق مع إيران مجرد حبر على ورق.
إن الدور المصرى الحالى يتجاوز مفهوم الوساطة التقليدية إلى مفهوم «هندسة الاستقرار». فبين رسائل القمة فى القاهرة، والترتيبات الأمنية والسياسية فى إسلام آباد، تُثبت مصر أنها «بوصلة الاتجاه» فى الشرق الأوسط.
إن الاستراتيجية المصرية المتكاملة للتهدئة هى الرهان الحقيقى المتبقى لمنع تحول المنطقة إلى ساحة لـ «الثارات الدموية» الطويلة. ومع استمرار تعقيد المشهد، تظل القاهرة هى الصوت الرصين الذى يذكر العالم بأن ثمن الحرب دائماً ما يفوق قدرة الجميع على السداد، وأن السلام رغم صعوبته هو المسار الوحيد الذى يحفظ للدول سيادتها وللشعوب حقها فى الحياة.









