قبل أن أكتب هذا المقال، أعلم أن هناك قطاعًا عريضًا من الناس ربما لن يستسيغوا مفرداته، وأعلم كذلك أن هناك صيادين متربصين يحرفون الكلم عن مواضعه، وحتى ربما هناك نفر من داخل دوائر السلطة، والكثير من رجال القوى الناعمة، لا يروق لهم بعض ما نقوله ونردده ونحارب من أجله.
>>>
لكننى لست فى معركة انتخابية أبحث فيها عن أصوات المحبين، ولست فى شركة أبحث لها عن فرص لتحقيق الأرباح، ولست أمام مسجد أخاطب مشاعر المصلين بمحسنات بلاغية وعبارات إنشائية، ولست صحفيًا أو كاتبًا باحثًا عن معجبين من القراء يروق لهم ما أكتبه أو أُردده عبر برامجى التلفزيونية.
>>>
أكتب فقط لمصر الوطن الذى يعيش فينا، وللأمة التى تمثل ملح أرضها، وللدولة الضاربة بجذورها فى أعماق التاريخ. لن أكتب لإرضاء أحد، ولن أخوض معارك رخيصة، ولن أنافق العوام. فإذا كانت الصراحة عيبًا، فأنا أحب عيوبي، وإذا كان حب الوطن تهمة، فأنا أعترف بذلك صوتًا وصورة، وإذا كان الوعى والفهم والمعرفة وقراءة اللحظة الراهنة بواقعية وصدق موضع انتقاد البعض، فهذا أمر مرير.. مرير حقًا.
>>>
المثل المصرى الشهير يقول: “يا بخت من بكانى وبكى عليّ، ولا ضحكنى وضحك الناس عليّ”. فمواجهة الناس بالحقائق أمر يزعجهم بالتأكيد، ويضع الشخص فى مواضع النقد والسخرية. لذلك، فإن من يخاطب الرأى العام لا بد أن يحدد موقفه ومكانه دون خجل: هل أنت مع بلدك؟ مع الحق والحقيقة دون تجميل؟ أم أنك تؤدى دورًا وظيفيًا؟ هل تعتبر الوطن وطنًا، أم تراه فندقًا، إذا ساءت فيه الأمور بحثت عن فندق آخر؟
>>>
لابد أن تحسم أمورك فورًا: من أنت؟ ما دورك؟ ماذا تريد؟ وكيف تحقق ما تريد؟
>>>
أكتب هذا ليس من باب الاعتياد على نقد النفس، بل بمناسبة الظرف الراهن الذى تمر به البلاد، ولم نرَ له مثيلاً من قبل. الإقليم مشتعل، والعالم يترقب، ونحن نستبق الزمن لمواجهة التداعيات والارتدادات. وفى سبيلنا لتحقيق ذلك، لا بد أن نخاطب الرأى العام بالحقائق دون تهوين أو تهويل.
>>>
فالكاتب، والصحفي، والإعلامي، وحتى المسئول، ليسوا أكثر وطنية من المواطن. الفكرة الأساسية هى الوعى الحقيقى غير الزائف بالأمور. المواطن يريد أن يعرف، وإذا عرف فهم ووعى وساند ودعم وصبر.
>>>
المسئولون يحاولون التواصل بشكل مباشر وغير مباشر، لكن المشكلة فى قطاع المرتزقة من المأجورين والهواة الذين يقفون، كأنهم جلطة فى شريان الوعي. الدولة تقول: نغلق المحال فى التاسعة، فيخرج علينا فريق المعارضين لكل شيء، يعترضون ويهاجمون، ويتهمون متخذ القرار بما ليس فيه. الدولة تقرر أن يكون هناك أيام عمل عن بُعد، فيخرج الساخرون منتقدين. الدولة تطالب المواطن بترشيد استهلاك الكهرباء، ونعلن أن لمبة واحدة تكفي، فيخرج علينا الهمازون والمشاؤون والمنافقون بأباطيل وأكاذيب وخزعبلات غير معقولة.
>>>
الدولة تطالب الجميع بشد الحزام دون خوف، والحذر دون فزع، والانضباط دون وجل، فيخرج علينا الإخوان ونهاياتهم الطرفية، والمتعاطفون معهم سرًا وعلانية، وبعض الأفاكين الذين يتعاملون مع الدولة على أنها “سبوبة”، ليخلطوا الحابل بالنابل، ويشيعوا أجواء الريبة من خلال الشائعات التى يحملها ويضيف إليها بعض أدعياء الثقافة والفكر.
>>>
أعتقد أن المقال “دمه ثقيل”، لكننى لم أقدم نفسى على أننى كامل الشناوى أو محمود السعدنى أو أحمد رجب. أنا مصرى من طين الريف وملح الأرض، وأكتب بمنتهى التجرد، والله يعلم ما فى نفسي.









